المدينة التربوية السطايفية … ذاكرة رياضية تعود بخطى ثابتة
في مدينة سطيف، التي ارتبط اسمها تاريخياً بكرة القدم وأمجادها القارية، وحيث لا يعلو صوت فوق صوت “الوفاق” وتاريخه المرصّع بالألقاب، تنمو في صمتٍ وتؤدة تجربة رياضية مختلفة تماماً، تجربة لا تبحث عن فلاشات الكاميرات، ولا تركض خلف منصات التتويج السريعة، بل تشتغل بمشرط الجراح على المدى البعيد، وتؤمن بأن الرياضة في جوهرها ليست مجرد تنافس بدني، وإنما هي فعل تربوي واجتماعي وسياسي قبل كل شيء.
من قلب “عاصمة الهضاب العليا”، تواصل المدينة التربوية السطايفية شق طريقها الصعب، حاملة إرثاً يعود إلى أكثر من خمسة عقود، وساعية بجهود أبنائها المخلصين إلى إعادة بعث نموذج النادي المتعدد الاختصاصات، كما كان في زمنٍ مضى؛ حين كانت الرياضة مدرسة حقيقية للقيم والانضباط، وبناء الشخصية الوطنية. يعود تاريخ تأسيس هذا الصرح الرياضي إلى سنة 1971، وهي المرحلة التي شهدت طفرة في بناء المؤسسات الجمعوية التي كانت تلعب دوراً محورياً في تأطير الشباب الجزائري واحتضان الطاقات الصاعدة عقب الاستقلال.
منذ بداياته الأولى، لم يكن النادي مجرد جمعية مرتبطة برياضة واحدة أو فرع يتيم، بل تشكّل كمجمع رياضي حقيقي يضم عدة فروع أولمبية، ويفتح أبوابه أمام أطفال وشباب المدينة، الذين وجدوا فيه المتنفس والملاذ. في ذلك الوقت، كانت الهياكل المادية محدودة، والوسائل بسيطة، لكن الرغبة في بناء جيل رياضي متكامل كانت حاضرة بقوة لدى الرعيل الأول من المسيرين.
هذا التنوع في الاختصاصات جعل من النادي مشتلة حقيقية للمواهب، وساهم في بروز أسماء ثقيلة شرّفت ولاية سطيف والرياضة الجزائرية في مختلف الاختصاصات الجماعية والفردية، ليتحول النادي، مع مرور الوقت، إلى قطب رياضي لا يمكن تجاوزه في منطقة الهضاب.
من خريف الإنكسار إلى صحوة الوفاء
طيلة عقود، استطاعت المدينة التربوية السطايفية أن تفرض نفسها بفضل العمل القاعدي الرصين والاستمرارية، بعيداً عن منطق “النجومية الفردية” أو الصراعات الإدارية. غير أن التحولات الكبرى التي عرفتها المنظومة الرياضية الوطنية، وتراجع الدعم المادي، وتغيّر أولويات التسيير التي مالت نحو الاحتراف المادي الصرف، انعكست جميعها سلباً على هذا الصرح العريق.
وتُعدّ سنة 2008 من أصعب المحطات في تاريخ النادي، حيث دخل في مرحلة ركود حقيقية كادت أن تمحو أثره من الخارطة الرياضية؛ إذ جُمّدت خلالها أغلب الفروع التاريخية، واقتصر النشاط الرياضي على فرع كرة السلة فقط، في محاولة يائسة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية الرمزية لاسم النادي.
تلك المرحلة لم تكن مجرد تراجع في النتائج، بل كانت تهديداً حقيقياً لذاكرة كاملة من العمل التربوي والرياضي. ومع مرور السنوات العجاف، ظل اسم “المدينة التربوية السطايفية” محفوراً في أذهان أبنائه الأوفياء، رغم الغياب القسري، إلى أن جاءت سنة 2021 التي مثّلت نقطة تحول حاسمة وتاريخية. فقد تزامنت الذكرى الخمسينية لتأسيس النادي مع صحوة حقيقية، قادتها مجموعة من المسيرين والرياضيين القدامى، الذين رفضوا أن ينتهي هذا التاريخ بالنسيان.
العودة لم تكن عاطفية، ولا مجرد رد فعل ارتجالي، بل جاءت مبنية على تقييم شامل وعلمي للتجربة السابقة، وعلى قناعة راسخة بأن إعادة البناء تتطلب تغييراً جذرياً في أساليب التسيير التقليدية. أولى الخطوات تمثلت في إعادة النظر في الإطار القانوني للنادي، وتحويله من جديد إلى نادٍ متعدد الرياضات (Omnisport)، انسجاماً مع فلسفته الأصلية التي تأسس عليها قبل خمسين عاماً. هذا القرار أعاد للنادي هويته المفقودة، وفتح المجال أمام إعادة تفعيل الفروع تدريجياً، ووفق إمكانيات مادية مدروسة بعناية.
هندسة التسيير الحديث وشعار “الدراسة أولا”
في إطار هذه الرؤية الجديدة، اعتمدت الإدارة هيكلة إدارية وتقنية تقوم على توزيع دقيق للمسؤوليات، ومنح كل فرع رياضي استقلالية نسبية في التسيير التقني، مع ضمان انسجام الرؤية العامة للنادي. لكل اختصاص اليوم رئيس فرع مسؤول، ولكل رياضة مدير تقني متخصص، ولكل فريق برنامج عمل واضح المعالم، يحدد الأهداف المسطرة على المدى القصير والمتوسط والبعيد. هذه المقاربة العلمية سمحت بتفادي التسيير العشوائي الذي ينخر جسد الكثير من الأندية الجزائرية، ووضعت حداً لمنطق العمل “الموسمي” الذي ينتهي بانتهاء الدعم أو المنافسة.
كما تميز المشروع بواقعية الاختيار، حيث ركزت الإدارة على الرياضات التي تتوفر لها هياكل تدريبية ومنشآت حقيقية داخل ولاية سطيف، لضمان استقرار الرياضيين وتوفير ظروف تدريب مقبولة، مع تأجيل تفعيل الاختصاصات التي تتطلب تجهيزات معقدة إلى حين توفر الظروف الملائمة، وهو قرار يعكس نضجاً كبيراً في التفكير التسييري. أما على مستوى التأطير البشري، فقد وضعت إدارة المدينة التربوية السطايفية معايير صارمة لاختيار المدربين؛ حيث يتم الاعتماد على ذوي التجربة الميدانية من الرياضيين السابقين الذين تربوا في حضن النادي، ويعرفون خصوصيات العمل القاعدي، مع اشتراط حيازة تكوين أكاديمي جامعي متخصص. هذا المزيج بين الخبرة الميدانية والمعرفة العلمية هو ما تراه الإدارة الضمان الوحيد للنجاح في الرياضة الحديثة. لكن يبقى الجانب الأهم، والجوهر الحقيقي لهذا المشروع، هو فلسفته التربوية العميقة التي تضع “الإنسان” في قلب العملية.
في هذا النادي، لا يُنظر إلى الطفل كأداة لجلب الميداليات، بل كمتعلم ومواطن في طور التكوين النفسي والبدني. شعار “الدراسة أولاً” في المدينة التربوية السطايفية ليس مجرد جملة استهلاكية، بل هو مبدأ مقدس يُطبق ميدانياً وبكل صرامة؛ إذ يتم ربط استمرارية الرياضي في التدريبات بمدى التزامه الدراسي ونتائجه المدرسية. يعمل النادي كشريك حقيقي للمدرسة وللعائلة، من خلال تواصل دائم مع الأولياء، لإقناعهم بأن النجاح في الملعب لا يجب أن يكون على حساب النجاح في القسم. هذا التوجه جعل من النادي فضاءً آمناً للأولياء، ومحيطاً تربوياً متكاملاً، يحمي الأطفال من الانحراف، ويرافقهم نفسياً واجتماعياً، ويوفر للمواهب الواعدة كل سبل الدع.
بما في ذلك المرافقة الدراسية عند الحاجة. واليوم، وبعد سنوات من العمل الهادئ، والبعيد عن صخب الألقاب الزائفة، بدأت نتائج هذا المشروع تظهر على أرض الواقع؛ عدد المنخرطين في تزايد مستمر، والثقة تعود لبيت النادي العريق، لتؤكد المدينة التربوية السطايفية أن الرياضة الحقيقية هي التي تُبنى بالصبر، وبالاستثمار في الإنسان أولاً وأخيراً.
حليمة. خ



