الملاكمة ..نادي أزباد عين الدفلى …حيث تُصنع الأبطال قبل الكؤوس
في قلب ولاية عين الدفلى، وبعيداً عن صخب الملاعب الكبرى وجذب الأضواء الزائف، تنمو تجربة رياضية فريدة من نوعها، وهي تجربة لا تقيس النجاح بعدد الكؤوس المودعة في خزائنها بقدر ما تقيسه بمدى قدرتها على صياغة مواطن صالح خلف القفازات، حيث يبرز نادي “أزباد عين الدفلى للملاكمة” كصرح رياضي قرر منذ نشأته أن يغرد خارج سرب النتائج الفورية، متبنياً استراتيجية عمل رصينة تضع التكوين في مقام أسمى من حصد الميداليات العابرة، وفي هذا الروبورتاج نغوص في عمق هذا المشروع الذي لا يُعرّف نفسه كمجرد جمعية رياضية للمنافسة، بل كمدرسة تكوين حقيقية ومشروع رياضي متكامل الأركان.
يهدف إلى صناعة ملاكمين على أسس تقنية وبدنية ونفسية وأخلاقية متينة، وهي الرؤية التي يؤكد عليها رئيس النادي السيد يحياوي ياسين، الذي يشدد على ضرورة الحفاظ الدائم على ذلك الحضور التنافسي المشرف الذي يليق بسمعة النادي والولاية على المستويات الولائية والجهوية والوطنية.
إن أول ما يلفت الانتباه عند الحديث عن هذا النادي، هو تلك الفلسفة الراسخة التي تجعل من القاعة مدرسة للحياة قبل أن تكون حلبة للمنافسة، حيث يوضح رئيس النادي يحياوي ياسين أن فلسفة “أزباد” ترتكز في جوهرها على الانضباط والاحترام وبناء الشخصية القوية قبل التفكير في صناعة البطل الرياضي، فالإيمان السائد لدى الإدارة والمستمد من تجربة ميدانية طويلة هو أن الملاكمة ليست مجرد منافسة شرسة داخل الحلبة المربعة، بل هي وسيلة تربوية فعالة لتكوين جيل متوازن وواعٍ بمسؤولياته، وقادر في الوقت ذاته على تمثيل النادي والولاية بأخلاق عالية تتجلى في سلوكه داخل وخارج الحلبة على حد سواء، مما يجعل من الرياضي عنصراً إيجابياً في مجتمعه، يقتدي به أقرانه في الانضباط والتربية والسمو الأخلاقي الذي يُعد الغاية الأسمى من ممارسة هذا الفن النبيل.
فلسفة النادي.. الإنضباط قبل الإنتصارات
وهذه المبادئ السامية لا تبقى حبيسة الشعارات، بل تُترجم ميدانياً من خلال برامج تدريبية احترافية ومدروسة بدقة حسب الفئات العمرية المختلفة، حيث يسهر المدرب الرئيسي مزيان محمد على وضع الخطط الفنية التي تهدف إلى تقويم الشخصية وتطوير الأداء، مع فرض نظام انضباط صارم داخل القاعة، يوازيه تحفيز مستمر من أجل المداومة والالتزام الفعلي، فالمدرب مزيان محمد يرى أن النادي يجب أن يعتمد بشكل قطعي على التكوين القاعدي التدريجي كمنهج حياة، بدلاً من الاستعجال في طلب النتائج أو ملاحقة الألقاب الوهمية، وهو ما يحمي المواهب الشابة من السقوط في فخ حرق المراحل، ويضمن لها تطوراً طبيعياً ومستداماً يبني في الملاكم القوة والرزانة في آن واحد، بمرافقة تقنية ميدانية يسهم فيها بفعالية المساعد “ليحين” الذي يضع خبرته في خدمة الشباب الصاعد.
ولعل ما يمنح نادي “أزباد عين الدفلى” تميزه الخاص في الساحة الرياضية المحلية، هو ذلك التركيز المكثف على الفئات الشبانية والنسوية وخاصة الفئات الصغرى التي تُعد النواة الحقيقية لأي نجاح مستقبلي، حيث يضع المدرب مزيان محمد ثقته الكاملة في العمل طويل المدى وإعطاء فرص حقيقية للمواهب المحلية المنحدرة من أحياء ومدارس الولاية، مع الاعتماد الكلي على التخطيط الاستراتيجي الدقيق بدل الارتجال الذي يعيق تطور المشاريع الرياضية الكبرى، وكل ذلك يتم في إطار خلق روح عائلية دافئة داخل القاعة، تجعل من الرياضي يشعر بالانتماء الحقيقي لهذا الصرح، مما يعزز من عزيمته ويدفعه لتقديم أفضل ما لديه في جو من الثقة المتبادلة بين الطاقم الفني والمنخرطين، وهو ما يلمسه الزائر بوضوح من خلال التلاحم الكبير بين الملاكمين ومدربيهم.
تكوين متكامل..جسم، عقل وأخلاق
وفي سياق متصل، تُدار العلاقة بين مختلف أطراف النادي بروح الشراكة والتكامل التام، حيث يسعى أمين المال السيد مهود محمد إسلام إلى تحقيق التوازن المطلوب بين الأداء الرياضي العالي وبين التسيير الإداري والمالي العقلاني الذي يحترم القوانين المعمول بها في هذا الشأن، مع الحرص على فتح قنوات التواصل الدائم والعمل المشترك، الذي يضع مصلحة الرياضي كأولوية قصوى فوق كل اعتبار، وهذا الانسجام الإداري الذي يشارك فيه المساعدون “إسلام” و”عبد الحق” هو ما يوفر للمدربين والرياضيين بيئة عمل مستقرة ومحفزة، تسمح للجميع بالتركيز على أهدافهم التقنية بعيداً عن أي عراقيل بيروقراطية، مما ينعكس إيجاباً على جودة العمل الميداني المقدم فوق الحلبة، ويجعل من النادي مؤسسة منظمة تسير وفق قواعد احترافية واضحة المعالم.
ولا يقتصر دور نادي “أزباد” على الجانب الرياضي التنافسي فحسب، بل يمتد ليشمل بعداً اجتماعياً وتربوياً عميقاً يحرص عليه الرئيس يحياوي ياسين، ويتمثل في احتواء الشباب وتوجيه طاقاتهم نحو ما ينفعهم، فالنادي يعمل كحائط صد وقائي، يهدف إلى إبعاد الشباب عن مختلف الآفات الاجتماعية التي تتهدد مستقبلهم، وذلك عبر غرس قيم الانضباط والعمل الجاد والمواظبة في نفوسهم ليكونوا عناصر فاعلة وقوية داخل المجتمع، وهذا البعد الإنساني هو ما يمنح للنادي شرعيته الاجتماعية، ويجعله محل ثقة كبيرة من طرف الأولياء في ولاية عين الدفلى، الذين يجدون في هذا الصرح الفضاء الأمثل لتربية أبنائهم رياضياً وأخلاقياً في بيئة صحية ومنظمة، تحت إشراف طاقم يضع الجانب التربوي قبل كل اعتبار مادي.
نجاحات ملموسة تؤكد صحة الإستراتيجية
وقد شهد النادي مؤخراً تطوراً ملحوظاً وملموساً على مستوى التكوين والنتائج التقنية، حيث برزت مواهب شابة واعدة استطاعت افتكاك إنجازات وطنية مشرفة، شكلت محطات مفصلية في مسار النادي وأكدت للرئيس يحياوي ياسين والمدرب مزيان محمد صحة المشروع الرياضي المعتمد، وهذه النجاحات لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة طبيعية لاستراتيجية تعتمد على الاكتشاف المبكر للمواهب والمتابعة المستمرة لمسار تطورهم، مع الحرص على التدرج المنطقي في المنافسات وتوفير بيئة تدريبية محفزة تسمح للملاكم بالتطور الطبيعي وصولاً إلى مستويات النخبة، وهي الاستراتيجية التي أثبتت فعاليتها في تحويل الخام من المواهب المحلية إلى أبطال حقيقيين يملكون التقنية والروح القتالية النظيفة، ويطمحون لتمثيل الألوان الوطنية في المحافل الدولية الكبرى.
إن الطموح الذي يسكن قلوب القائمين على نادي “أزباد عين الدفلى للملاكمة” اليوم، هو ترسيخ هذا النادي كمرجع وطني لا غنى عنه في مجال التكوين وصناعة الأبطال القادرين على تشريف الولاية ورفع الراية الوطنية عالياً، وهو الحلم الذي يتقاسمه الرئيس يحياوي ياسين مع أمين ماله مهود محمد إسلام والطاقم الفني بقيادة مزيان محمد، أما رسالة النادي الموجهة للجيل الصاعد وللشباب الحالم بالتميز فهي تختصر كل معاني النجاح في كلمات قليلة، وهي الانضباط والمداومة والصبر والعمل الجاد، فالطريق نحو النجاح الحقيقي لا يمر عبر المختصرات بل عبر الجد والاجتهاد، وتقوى الله أولاً والتوفيق من عنده ثانياً، لتظل هذه التجربة رائدة في عين الدفلى، وشاهدة على أن الرياضة حين تلتقي بالتربية والعلم، فإنها تنتج جيلاً يرفع الرأس فخراً بانتصاراته وأخلاقه أمام العالم أجمع.
حليمة. خ




