مع انطلاق نهائيات كأس إفريقيا للأمم، واحتدام النقاش حول حظوظ المنتخبات المرشحة ومسارها المحتمل في البطولة القارية، يبرز صوت الخبرة كأحد أهم عناصر القراءة الموضوعية لما ينتظر المنتخبات المشاركة. وفي هذا السياق، تكتسي رؤية المدرب الفرنسي هيبير فيلود أهمية خاصة، بحكم تجربته الواسعة في الكرة الإفريقية، ومعرفته الدقيقة بخبايا المنافسة، فضلًا عن إشرافه سابقًا على منتخبي السودان وبوركينا فاسو، وهما من أبرز منافسي المنتخب الوطني الجزائري في دور المجموعات. في حوار حصري لجريدة بولا، يقدّم فيلود قراءة تحليلية معمّقة لمجموعة الجزائر.
ويتوقف عند أبرز التحولات التي عرفتها تشكيلة “الخضر” في الفترة الأخيرة، بين تجديد الدماء والحفاظ على ركائز الخبرة، كما يتناول بالتفصيل المواجهة المرتقبة أمام السودان، ويقيّم حظوظ المنتخب الجزائري في الذهاب بعيدًا في هذه النسخة من كأس إفريقيا. حوار غني بالمعطيات الفنية والتكتيكية، يضع القارئ أمام صورة أوضح لما ينتظر المنتخب الوطني في مشواره القاري، ويكشف في الوقت ذاته خصوصية البطولة الإفريقية التي تبقى، في نظر الكثيرين، المنافسة الأكثر شغفًا وإثارة على مستوى المنتخبات.
بداية، نشكركم على قبول إجراء هذا الحوار..
“شكرًا لكم، وسعيد بالتحدث إلى جريدة بولا عن بطولة تظل دائمًا مميزة بالنسبة لي، سواء كمدرب أو كمتابع لكرة القدم الإفريقية.”
سبق لك تدريب منتخبي بوركينا فاسو والسودان، وهما يتواجدان في نفس المجموعة مع المنتخب الجزائري. كيف تقيّم هذه المجموعة؟
“نعم، هي مجموعة صعبة جدًا، ولا تقتصر قوتها على الجزائر وبوركينا فاسو والسودان فقط، بل تضم أيضًا منتخب غينيا الاستوائية، وهو فريق أعرفه جيدًا ويُعد من أصعب المنتخبات التي يمكن مواجهتها. اللعب أمامه دائمًا معقد ويتطلب تركيزًا عاليًا. من الطبيعي أن يكون المنتخب الجزائري هو المرشح الأبرز في هذه المجموعة، لكن الفوارق ليست كبيرة كما قد يعتقد البعض. بوركينا فاسو منتخب قوي جدًا، خاصة في ظل الجاهزية الكبيرة لخطه الهجومي هذا العام وغياب الإصابات المؤثرة. يمتلك لاعبون بإمكانات هجومية هائلة، وقادرون على إزعاج أي منتخب في هذه المجموعة. لذلك، هناك عدة عوامل يجب أخذها بعين الاعتبار، وكل المباريات ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات.”
خلال النسخة السابقة من كأس إفريقيا، واجهتم المنتخب الجزائري، وها هو يلتقي مجددًا ببوركينا فاسو. في رأيك، ما الذي تغيّر داخل المنتخب الجزائري منذ تلك المواجهة؟
“المنتخب الجزائري عرف تغييرات عديدة في الفترة الأخيرة، وأبرزها بروز جيل جديد من اللاعبين. هناك دماء شابة بدأت تأخذ مكانها تدريجيًا داخل التشكيلة، وهو أمر مهم جدًا لأي منتخب يريد الاستمرار في المنافسة على أعلى مستوى. في المقابل، ما يزال المنتخب يضم لاعبين مخضرمين وأسماء كبيرة مثل محرز، عطال، بن سبعيني، عمورة وغيرهم، وهو ما يمنح التشكيلة توازنًا بين الخبرة والشباب. السؤال الحقيقي ليس فقط في وجود هذا الجيل الجديد، بل في كيفية اندماجه وتحمله للمسؤولية على المستوى القاري. حتى الآن، أرى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، والمنتخب الجزائري يملك قاعدة صلبة للبناء.”
المواجهة بين السودان والجزائر تحظى باهتمام كبير. كيف تحلل هذا اللقاء بين منتخبين تعرفهما جيدًا؟
“المباراة الأولى في أي بطولة تكون دائمًا صعبة، وربما أكثر تعقيدًا مما يتوقعه البعض. صحيح أن الجزائر تتفوق فنيًا وبوضوح على السودان، لكن ذلك لا يعني أن المواجهة ستكون سهلة. المنتخب السوداني، بحكم أنها مباراته الأولى، سيكون متحمسًا جدًا، وفي قمة جاهزيته البدنية. السودان معروف بقوته البدنية وقدرته على القتال، وهذا عامل قد يخلق مشاكل للجزائر، خاصة في بداية المباراة. لذلك، ورغم أن الجزائر تبقى المرشحة للفوز من الناحية الفنية، إلا أن المواجهة لن تكون سهلة على الإطلاق.”
إلى أي مدى ترى أن المنتخب الجزائري قادر على الذهاب في هذه النسخة من كأس إفريقيا؟
“أعتقد أن المنتخب الجزائري قادر على بلوغ المربع الذهبي وما بعده. عندما تصل إلى ربع النهائي أو نصف النهائي، تتغير المعطيات كليًا، وتصبح التفاصيل الصغيرة هي الفاصلة. حتى في المباراة النهائية، قد تُحسم الأمور في اللحظات الأخيرة. عادة ما تكون هذه الأدوار مواجهات قوية جدًا بين منتخبات كبيرة، والجزائر تملك الخبرة والجودة للتعامل مع مثل هذه المواعيد. لذلك، أرى أنها من المنتخبات القادرة على المنافسة بقوة على اللقب.”
من هو المنتخب الأوفر حظًا للتتويج باللقب القاري في رأيك؟
“من الواضح أن هناك منتخبات بارزة مرشحة بقوة، خاصة الذي يستفيد من عامل الأرض والتنظيم، وهو ما يمنحه أفضلية مهمة. إلى جانبه، هناك منتخبات قوية جدًا مثل السنغال، الجزائر ونيجيريا، وكلها تمتلك حظوظًا حقيقية للتتويج، بالنظر إلى مستواها الحالي ونوعية لاعبيها. المنافسة ستكون قوية جدًا، ولن يكون الطريق مفروشًا بالورود لأي منتخب، لأن مستوى كرة القدم الإفريقية اليوم متقارب للغاية.”
كأس إفريقيا غالبًا ما تكشف عن مواهب جديدة. من هم اللاعبون الذين تتوقع بروزهم في النسخة المقبلة؟
“دائمًا ما تشهد هذه البطولة حضور لاعبين كبار يؤكدون موهبتهم وقيمتهم، مثل ساديو ماني أو رياض محرز، إلى جانب أسماء أخرى معروفة. لكن ما يميز كأس إفريقيا أيضًا هو بروز لاعبين شباب. أفكر في لاعبين جزائريين مثل عمورة وحتى بولبينة، لمَ لا، والذين أظهروا مستويات جيدة ويمكنهم التألق في هذه البطولة. إضافة إلى ذلك، هناك مواهب شابة من منتخبات أخرى قادرة على خطف الأضواء وإثبات نفسها على هذا المستوى العالي.”
شاركت سابقًا في كأس إفريقيا. ما الذي يميز هذه البطولة عن غيرها من المنافسات الدولية؟
“كأس إفريقيا بطولة بالغة الأهمية بالنسبة للقارة كلها. هي أكثر من مجرد منافسة كروية، بل مسألة وطنية وشعور جماعي يجمع الشعوب الإفريقية. من الناحية النفسية والمعنوية، لها وزن خاص جدًا، سواء للاعبين أو للجماهير. الأجواء التي ترافق هذه البطولة لا تشبه أي بطولة أخرى، من حيث الشغف، الحماس والمشاعر الجياشة. غالبًا ما تكون المشاهد رائعة ومليئة بالإثارة، خاصة عند تحقيق الانتصارات. صحيح أن كرة القدم تحمل دائمًا فائزًا وخاسرًا، وأحيانًا تكون هناك مشاعر سلبية، لكن هذا جزء من اللعبة. في المجمل، تظل كأس إفريقيا بطولة مميزة جدًا وتستحوذ على اهتمام جميع الأفارقة…”
حاوره: مصطفى خليفاوي




