حوارات

سعيد كويمية (رئيس نادي الحراش للجودو): “الرياضي ليس مجرد رقم في الميزان.. وسلامة أبطالنا خط أحمر”

في الوقت الذي يلهث فيه الكثيرون خلف بريق الألقاب الظرفية والنتائج السريعة، يختار نادي جودو الحراش السير في “الطريق الصعب”، وهو طريق التكوين العلمي المتوازن الذي يضع الإنسان قبل الميدالية، ووسط الجدل التقني الذي صاحب قضية المصارع “عبد السلام”، يخرج رئيس النادي، السيد سعيد كويمية، عن صمته ليضع النقاط على الحروف في حوار صريح مع جريدة “بولا”؛ حيث يفتح، بنبرة ملؤها المسؤولية، ملفات شائكة تتعلق بمعايير اختيار الأوزان، ومخاطر التخفيض القسري للميزان في الفئات الصغرى، موجهاً رسائل قوية للهيئات التقنية العليا بضرورة اعتماد مقاربات أكثر “علمية” و”إنسانية”، لحماية مواهب الجزائر من الانكسار المبكر.

بعيداً عن التعريفات التقليدية للجمعيات الرياضية؛ كيف تصيغون اليوم الهوية الحقيقية لنادي جودو الحراش ككيان يتبنى فلسفة التكوين طويل المدى؟

“نادي جودو الحراش هو قبل كل شيء مشروع تكويني متكامل، ومخطط له على المدى البعيد، فنحن لا نؤمن إطلاقاً بمنطق النتائج السريعة التي تلمع لفترة ثم تنطفئ، ولا تستهوينا المكاسب الظرفية التي قد تأتي على حساب التأسيس الصحيح، حيث نعتمد في عملنا اليومي برنامجاً واضحاً ودقيقاً نلتزم بتطبيقه بكل صرامة، لأننا نؤمن يقيناً بأن التكوين المتوازن هو الأساس الحقيقي للنجاح المستدام، وهو التكوين الذي يجب أن يحترم بالدرجة الأولى التطور الطبيعي للرياضي في أبعاده الثلاثة: البدنية، التقنية، والنفسية، فهذا في نظرنا هو الطريق الصحيح والوحيد الذي يقودنا لبناء أبطال حقيقيين، قادرين على الاستمرار في الميادين لسنوات طويلة دون انكسار أو تراجع.”

هذا التوازن الذي تتحدثون عنه يصطدم دوماً بحاجز “الميزان”؛ فما هي المعايير الدقيقة التي يعتمدها النادي لتوجيه الرياضي نحو فئة معينة؟

“المعايير في نادينا تخضع لمقاربة شاملة وعلمية لا تترك مجالاً للعشوائية أو التقديرات الشخصية، حيث نأخذ بعين الاعتبار أولاً الوزن الطبيعي المستقر للرياضي، وتركيبة جسمه الفسيولوجية، إضافة إلى مستواه التقني والبدني الحقيقي فوق البساط، وتاريخه الصحي الكامل، وكذا استعداده النفسي التام للمنافسة في فئة معينة، كما نراعي وبدقة كبيرة رزنامة المنافسات المتاحة طوال الموسم الرياضي؛ وهذا حتى لا نضطر للوقوع في فخ الحلول غير الصحية أو الترقيعية، مثل التخفيض المفرط للوزن لتعويض نقص المنافسة أو لسد ثغرات تقنية مفاجئة، ويتم اتخاذ هذا القرار المصيري دائماً بعد مشاورات معمقة ومستمرة مع الطاقم الطبي المختص، الذي يملك الصلاحية الكاملة لتحديد ما يناسب الرياضي، واضعين سلامة المصارع فوق كل اعتبار تنافسي عابر.”

بناءً على هذا التحليل العلمي؛ هل يعني ذلك أنكم تمنحون الأداء الميداني والقدرة الوظيفية للمصارع أولوية قصوى على حساب الأرقام الجافة التي يسجلها الميزان؟

“بالتأكيد، فنحن نعتبر وبكل قناعة مهنية أن الأداء داخل البساط هو المؤشر الحقيقي والوحيد للقدرة التنافسية والجاهزية الفنية، فالميزان في نهاية المطاف يقدّم لنا رقماً جافاً ومجرداً، لكنه أبدًا لا يعكس القوة الوظيفية للرياضي، ولا قدرته الفعلية على مجاراة الخصوم من الناحية التقنية أو البدنية، وعندما يُثبت الرياضي أداءً قوياً ومقنعاً في وزن معيّن، ويظهر تفوقاً تكتيكياً واضحاً في نزالاته، يصبح من غير المنطقي ومن غير العدل تماماً تجاهل هذا المعطى الميداني الحي والاعتماد فقط على الرقم المسجّل على الميزان كمعيار وحيد للفصل في أحقيته بالمشاركة، فبالنسبة لنا الميدان هو المرآة الحقيقية لمستوى الرياضي وقيمته الفنية، وليس مجرد رقم يظهر في لحظة معينة.”

ولكن؛ ماذا لو أظهر الرياضي قدرة “استثنائية” على مجاراة منافسين في أوزان أعلى من وزنه الطبيعي؛ فكيف تديرون هذه المعادلة تقنياً وطبياً دون الإضرار بمستقبله؟

“في مثل هذه الحالات الخاصة التي تظهر فيها موهبة فذة وقدرة على التحدي، نعتمد مقاربة تقنية حذِرة جداً ومبنية على أسس علمية رصينة، حيث نقوم بتثبيت الوزن الأقرب للطبيعي للرياضي، مع إخضاعه لتقييم طبي ووظيفي دقيق وشامل للتأكد من تحمل بنيته الجسدية لهذا الانتقال، يتبعه تحميل تدريبي مدروس وتدريجي يتوافق مع متطلبات الوزن الجديد، كما أننا لا نتسرع أبداً في اتخاذ القرارات النهائية، بل يتم اختبار جاهزيته عبر مشاركات تنافسية محسوبة بدقة واحترافية قبل الوصول إلى أي قرار حاسم بخصوص تموقعه الجديد، فهدفنا دائماً هو ضمان التطور دون مخاطرة، مع الإبقاء دائماً على السلامة الصحية كأولوية مطلقة لا نقبل فيها أي تهاون أو مقايضة مقابل نتيجة رياضية مهما كانت إغراءاتها.”

هذا الحديث يقودنا مباشرة للجدل الذي أثير حول قضية “عبد السلام”؛ كيف تقيّمون تلك النقاشات، وما هي الرسالة التقنية التي أراد نادي الحراش إيصالها من خلال هذا الملف؟

“نرى أن هذه النقاشات، وبالرغم من حدّتها التي ظهرت في بعض الأحيان، كانت مفيدة وضرورية جداً للوسط الرياضي والأسرة الجودوكية بصفة خاصة؛ لأنها أعادت طرح مسألة جوهرية وهي ضرورة اعتماد قرارات تقنية أكثر علمية وموضوعية ووضوحاً، خاصة عندما يتعلق الأمر بفئة الشباب التي تمثل ركيزة المستقبل، فهدفنا من إثارة هذا الموضوع لم يكن أبدًا الدخول في جدل عقيم أو الصدام مع أي جهة، بل كان غرضنا الأساسي والوحيد هو حماية الرياضي وضمان عدالة القرار التقني المبني على أسس فنية واضحة، بعيداً عن أي اعتبارات شخصية أو غير موضوعية قد تضر بمسار المواهب الصاعدة وتؤدي إلى إحباطها أو حرمانها من حقوقها المشروعة في المنافسة العادلة.”

في ظل هذا التشابك بين التقني والعلمي؛ أين تنتهي مسؤولية النادي في حماية الرياضي، وأين يبدأ دور الطاقم الطبي والهيئات التقنية العليا؟

“مسؤولية النادي تتجلى بوضوح في المتابعة اليومية الدقيقة والحرص المستمر على حماية الرياضي من أي مخاطر غير مبررة قد تهدد سلامته أو مستقبله الرياضي، وهنا يأتي الدور المحوري للطاقم الطبي، فهو الجهة الوحيدة التي تملك الصلاحية العلمية لتحديد حدود السلامة الصحية التي لا يمكن تجاوزها تحت أي ظرف من الظروف، أما الهيئات التقنية العليا فيقع على عاتقها الدور التنظيمي من خلال وضع معايير وطنية موحّدة وشفافة تضمن تكافؤ الفرص بين جميع الأندية والرياضيين، وتعالج الحالات الخاصة والفريدة استناداً إلى تقارير تقنية وطبية دقيقة وموضوعية، تخدم في النهاية مصلحة الرياضة الوطنية وتضمن بيئة تنافسية نزيهة ومحمية بقوة القانون والمنطق العلمي.”

بالحديث عن الهيئات العليا؛ هل تعتقدون أن المنظومة الرياضية الجزائرية باتت في حاجة ملحة لمقاربة جديدة تخص الفئة العمرية الحساسة بين 18 و21 سنة؟

“نعم، وبشكل ملحّ وضروري أكثر من أي وقت مضى، فهذه المرحلة العمرية هي مرحلة انتقالية حساسة جداً في حياة أي رياضي، وأي قرار خاطئ أو غير مدروس أو ضغط مفرط في هذه السن قد يؤدي حتماً إلى فقدان الرياضي لثقته في نفسه أو، والأسوأ من ذلك، تعرضه لإصابات بليغة ومزمنة تُنهي مساره الرياضي بشكل مبكر ومأساوي، نحن بحاجة ماسة لمقاربة وطنية شاملة تقوم على المتابعة الطبية والنفسية المتخصصة لهذه الفئة، مع برمجة منافسات أكثر وضوحاً وانتظاماً، واعتماد معايير علمية دقيقة في التعامل مع هؤلاء الشباب لضمان استمراريتهم وتطورهم الطبيعي نحو فئة الأكابر، لأن هذه الفئة هي الخزان الحقيقي والوحيد للنخبة الوطنية.”

ختاماً؛ ما هي الرسالة التي يوجهها سعيد كويمية عبر “بولا” بخصوص معادلة النجاح الرياضي مقابل حماية الإنسان؟

“رسالتنا واضحة وصريحة ونؤمن بها كعقيدة في نادي جودو الحراش، وهي أن الرياضي ليس مجرد رقم في الميزان ولا نتيجة عابرة تُسجل في جدول الترتيب، بل هو إنسان له صحة وكرامة ومستقبل هو أمانة في أعناقنا جميعاً، وحماية الرياضي لا تتوقف عند حدود القرار التقني الصائب أو المتابعة الطبية فقط، بل تشمل أيضاً توفير الظروف المادية واللوجستية الملائمة للعمل والإبداع، وفي هذا السياق نتوجه بالشكر الجزيل للأولياء بالدرجة الأولى على تضحياتهم الجبارة ومرافقتهم الدائمة، كما نثمن عاليًا الدعم المالي والاحترافي لشركائنا CAGEX و CIAR، الذين مكنوا النادي من تبنّي خيارات مسؤولة تحمي صحة أبنائنا وتضمن استمرارية مسارهم في أفضل الظروف، فالألقاب قد تُنسى مع مرور الزمن وتتحول إلى مجرد ذكرى، لكن سلامة الرياضي ونجاحه كإنسان تبقى هي الأساس الحقيقي والميدالية الأغلى لأي نجاح مستدام نفخر به.”

حاورته: حليمة. خ

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى