حوارات

مصطفى مسلوب (مدرب في نادي سالزبورغ النمساوي): “مواجهة متكافئة وهذا ما يميز كل منتخب”

“صحيح أنني أعرف كرة القدم النمساوية أكثر بكثير من كرة القدم الجزائرية، وذلك ببساطة لأنني غادرت الجزائر منذ خمسة وثلاثين عاماً، لذلك أتابع يومياً تطور كرة القدم النمساوية، رغم أنني أحرص بطبيعة الحال على متابعة المنتخب الجزائري أيضاً، أرى أن هذه المواجهة متوازنة إلى حد كبير، ففي هذه المجموعة، أعتقد أن الأرجنتين تتفوق على بقية المنتخبات، أما خلفها، فأرى أن النمسا والجزائر متقاربتان من حيث القيمة والمستوى، رغم أنهما تقدمان فلسفتين مختلفتين تماماً في اللعب. فالجزائر ما تزال وفية لثقافة كروية أكثر كلاسيكية، تعتمد على الاستحواذ، والمهارات الفنية، والقدرة على تدوير الكرة، كما تملك لاعبين قادرين على صناعة الفارق بفضل مهاراتهم التقنية وذكائهم في اللعب.

أما النمسا، وتحت تأثير رالف رانغنيك، تمارس كرة قدم أكثر كثافة وحيوية، وتتمثل قوتها الأساسية في الضغط العالي، بهدف استرجاع الكرة في أقرب نقطة ممكنة من مرمى المنافس وإنهاء الهجمات بسرعة كبيرة، إنها مجموعة تسعى باستمرار إلى فرض نسق مرتفع وخنق منافسيها. إذا نجحت الجزائر في الخروج بالكرة بشكل سليم من الضغط النمساوي وفرض تفوقها الفني، فبإمكانها صنع الفارق، أما إذا تمكنت النمسا من فرض شدتها وإجبار المنافس على فقدان الكرة في الثلاثين متراً الأخيرة، فإنها ستصبح في غاية الخطورة.”

 لقد دربتم عدداً من لاعبي المنتخب النمساوي الحالي. من وجهة نظركم، ما هو العنصر الأكثر خطورة في هذا المنتخب؟

“صحيح أنني كنت محظوظاً بالعمل مع عدد من لاعبي المنتخب النمساوي الحالي. فقد أشرفت على تدريب ألكسندر شلاغر، وخافيير شلاغر، وكونراد لايمر، ونيكولاس سايفالد في الفئات الشابة وفي الاحتراف، كما دربت مارسيل سابيتزر ورومانو شميد على مستوى الاحتراف، هؤلاء لاعبون أعرفهم جيداً، سواء من الناحية الإنسانية أو الكروية، وللإجابة عن سؤالك، لا أعتقد أن هناك لاعباً واحداً في هذا المنتخب قادراً بمفرده على حسم مصير مباراة، إن القوة الحقيقية للنمسا لا تكمن في فرد واحد، بل في المجموعة ككل، فجميع اللاعبين يعملون كثيراً دون كرة، ويشاركون في استرجاعها، ويندفعون بسرعة كبيرة نحو الهجوم لإنهاء الفرص.”

كيف تتصورون أسلوب لعب المنتخب النمساوي خلال مباراة الجزائر؟

“تحت قيادة رالف رانغنيك، طور هذا المنتخب هوية واضحة جداً، ضغط مكثف، و شراسة كبيرة في استرجاع الكرة، ورغبة دائمة في اللعب إلى الأمام، وهذا بالتحديد ما يجعله منتخباً خطيراً. وبالنسبة لي، فإن قوة هذا المنتخب لا تكمن في لاعب بعينه، بل في قوة المجموعة والانضباط التكتيكي، وهما أبرز نقاط قوته.”

مدرب النمسا رالف رانغنيك معروف بالضغط العالي واللعب السريع، وهي خصائص قريبة من أسلوب بيتكوفيتش. كيف ترون المعركة التكتيكية بين المدربين؟

“رالف رانغنيك كان من أوائل من أسسوا هذه الفلسفة الكروية، ففكرته تقوم على الدفاع من خلال الهجوم، والضغط العالي، واسترجاع الكرة بالقرب من مرمى المنافس من أجل إنهاء الهجمات بسرعة. هناك أولاً الخصائص الفردية للاعبين فاللاعبون الجزائريون يمتلكون، في رأيي، مهارات فنية أكبر، كما أنهم أكثر راحة في أسلوب اللعب القائم على الاستحواذ. أما اللاعبون النمساويون، فيتميزون بشراستهم الإيجابية، و قوتهم البدنية، وقدرتهم على استرجاع الكرة بسرعة كبيرة. واليوم، تعتمد العديد من المنتخبات الكبيرة هذا النوع من كرة القدم، لذلك أعتقد أن الصراع التكتيكي بين فلاديمير بيتكوفيتش ورالف رانغنيك سيكون مثيراً للغاية. وسيكون هناك بالتأكيد صراع بين أسلوبين مختلفين؛ من جهة منتخب جزائري سيحاول الاحتفاظ بالكرة واستغلال الجودة الفنية للاعبيه، ومن جهة أخرى منتخب نمساوي سيعمل على فرض نسق مرتفع، والضغط العالي، ومنع منافسه من الاستقرار في اللعب”.

كيف تقيمون المستوى الحالي للمنتخب الجزائري؟

” بكل صراحة، لم أتابع عن كثب التطور الأخير للمنتخب الجزائري، لقد كنت منشغلاً جداً بعملي داخل نادي ريد بول سالزبورغ، وهو ما لم يسمح لي بمتابعة المنتخب بالاهتمام الذي يستحقه، ومع ذلك، تحتل الجزائر دائماً مكانة خاصة في قلبي، لقد دعمت هذا المنتخب دائماً، وأتمنى له بصدق الكثير من النجاح. فانتصاراته تسعد شعباً بأكمله، كما تسعد عائلتي وأصدقائي وكل الأشخاص الذين أرتبط بهم ارتباطاً عميقاً في هذا البلد، لذلك أفضل أن أبقى حذراً في تقييمي للمستوى الحالي للمنتخب.”

من هو اللاعب الذي تتوقعون أن يبرز أكثر خلال كأس العالم، سواء من الجانب الجزائري أو النمساوي؟

” من الجانب النمساوي، فإن أول اسم يتبادر إلى الذهن هو دافيد ألابا، فرغم الفترة الصعبة التي مر بها بسبب الإصابات المتعددة، فإنه يبقى أحد أعظم اللاعبين في تاريخ كرة القدم النمساوية، فالخبرة التي اكتسبها مع بايرن ميونيخ ثم ريال مدريد يمكن أن تكون حاسمة في المواعيد الكبرى. كما أن لدي تقديراً خاصاً لكونراد لايمر.

وإلى جانب العلاقة العائلية التي تربطنا به (فهو زوج ابنتي إيناس)، فإن إمكاناته تتحدث عن نفسها، فهو اليوم عنصر أساسي في بايرن ميونيخ، ولاعب يتمتع بمرونة تكتيكية نادرة، إذ يستطيع اللعب في عدة مراكز بالكفاءة نفسها.

كما أن حجم مجهوده، و شراسته الإيجابية في الضغط، وقدرته على تكرار الجهد، تجعله واحداً من أفضل لاعبي «بوكس تو بوكس» في أوروبا، وأخيراً، يبقى مارسيل سابيتزر لاعباً قادراً على صنع الفارق في أي لحظة، إنه منافس مثالي، يتمتع بجودة فنية ممتازة، وخاصة بتسديدات قوية وخطيرة للغاية، وفي كرة القدم الحديثة أصبحت الأهداف المسجلة من مسافات بعيدة أكثر ندرة، وسابيتزر يمتلك تحديداً هذه القدرة على حسم المباريات بتسديدة بعيدة المدى أو من كرة ثابتة”.

وماذا عن الجزائر؟

“أما فيما يخص الجزائر، والتي أعرفها بدرجة أقل بسبب التزاماتي المهنية، فإن أكثر الأسماء التي تصلني عنها أصداء إيجابية حالياً هما أنيس حاج موسى وإبراهيم مازة. إنهما لاعبان هجوميان واعدان للغاية، قادران على منح الإبداع والمفاجأة في الثلث الأخير من الملعب، إمكاناتهما لا جدال فيها. ولكي ينتقلا إلى مستوى أعلى ويفرضا نفسيهما بشكل دائم في أعلى المستويات الأوروبية، وخاصة في الدوريات الخمسة الكبرى، فسيكون عليهما تطوير بعض الجوانب البدنية والرياضية.

لكن من الواضح أنهما يمثلان مستقبل المنتخب الجزائري، وقد يكونان من أبرز مفاجآت هذه البطولة، ولو كان عليّ اختيار لاعب قادر على ترك بصمته في هذا المونديال، لاخترت لايمر من الجانب النمساوي بسبب تأثيره في جميع مناطق الملعب، ومازة من الجانب الجزائري بسبب موهبته الخام وإمكانات تطوره الاستثنائية.”

بحكم إقامتكم في النمسا وقربكم من الجماهير هناك، هل تحدث النمساويون بعد القرعة عن مباراة خيخون الشهيرة سنة 1982؟

“يجب أولاً التذكير بأننا نتحدث عن حقبة مختلفة وجيل مختلف، فغالبية الجماهير النمساوية، وخاصة الشباب، لم تعش تلك المباراة، ولم تعرفها إلا من خلال الروايات أو الأرشيف، في المقابل، ظلت الصحافة النمساوية تستحضر هذه المباراة بانتظام على مر السنوات، وعادت بطبيعة الحال للحديث عنها بعد إجراء القرعة، وبصفة عامة، لا يرى النمساويون أن المباراة كانت مدبرة بالمعنى الحرفي للكلمة.

بل يعتبرون أنه بعد التقدم بهدف دون مقابل، قامت المنتخبات المعنية بإدارة المباراة بطريقة تضمن الحفاظ على نتيجة تؤهل الطرفين إلى الدور التالي، كما يجب فهم سياق تلك الفترة، فالتنافس الرياضي بين النمسا وألمانيا قوي جداً، رغم أن البلدين يتقاسمان التاريخ واللغة والعديد من الروابط الثقافية، وغالباً ما يُعاش الانتصار النمساوي على ألمانيا بنفس الحدة التي يشعر بها المشجع الجزائري عندما يهزم منتخبُه فرنسا، واليوم، لا أشعر أن تلك المباراة تشغل كثيراً تفكير الجماهير النمساوية، فهي تنتمي أكثر إلى تاريخ كرة القدم منها إلى راهنها، أما في الجانب الجزائري، فإن هذه الحادثة ما تزال أكثر حضوراً في الذاكرة الجماعية، ولا تزال تُذكر باستمرار، حتى من طرف أجيال لم تعشها بشكل مباشر، نظراً لما تركته من أثر عميق في تاريخ المنتخب الوطني وكرة القدم الجزائرية بشكل عام.”

ما هي النتيجة التي تتوقعونها لمباراة النمسا والجزائر؟

“صحيح أننا منقسمون قليلاً في هذا الأمر، فمن جهة، يحمل صهرنا وابننا كونراد لايمر ألوان المنتخب النمساوي، كما أنني شخصياً قضيت ما يقارب 35 عاماً في كرة القدم النمساوية، وقد نسجت خلالها العديد من علاقات الصداقة، سواء داخل الطواقم الفنية أو مع لاعبي المنتخب الذين شاركتهم جزءاً كبيراً من حياتي المهنية، ومن جهة أخرى، هناك الجزائر، بلد الجذور والقلب، ولهذا من الصعب علينا اختيار طرف دون الآخر، ولهذا السبب، فإن السيناريو المثالي بالنسبة لي ولعائلتي سيكون التعادل، فهو النتيجة التي ستسمح لنا بدعم المنتخبين بهدوء وارتياح، وفي حال ساعدت هذه النتيجة على تأهلهما، فسيكون من الرائع أن نرى الجزائر والنمسا معاً في الدور المقبل، وفي النهاية، وبعيداً عن النتيجة، فإن ما نتمناه قبل كل شيء هو مشاهدة مباراة كبيرة في كرة القدم، تُلعب في أجواء من الاحترام، بين منتخبين يدافعان بكل قوة عن حظوظهما وألوانهما الوطنية.”

مصطفى خليفاوي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *