حوارات

أحمد بوسكرة (دكتور في علوم الرياضة): “الذكاء الاصطناعي أنهى عهد الحدس الكروي في المونديال”

تخوض كرة القدم العالمية ثورة تكنولوجية صامتة غيّرت من جيناتها الكلاسيكية، فتحولت الملاعب من مجرد مسارح للموهبة الفطرية والجهد البدني، إلى غرف عمليات رقمية تُدار بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة التي ترصد كل شاردة وواردة؛ ولأن كواليس البطولات الكبرى وفي مقدمتها كأس العالم لم تعد تعترف بالصدفة، أصبح لزاماً علينا فك شفرة هذا التداخل الرقمي الذي بات يحكم اللعبة في تفاصيلها غير المرئية، من التحكم في رطوبة العشب وصولاً للتنبؤ بالإصابات العضلية قبل حدوثها، جريدة “بولا” وضعت هذا الملف التقني الشائك على طاولة البحث مع قامة علمية بارزة في الإدارة والتكنولوجيا الرياضية.

الدكتور في علوم الرياضة أحمد بوسكرة، الذي نزع قناع النظريات التقليدية ليواجه أسئلتنا الحادة بكثير من الواقعية المستندة إلى التحليل الرقمي؛ فكشف لنا عن حدود الشراكة القائمة بين حكمة الإنسان ودقة الآلة، وحقيقة السقوط في التبعية المطلقة للبيانات، مجيباً عن السؤال الفلسفي الأكبر حول إمكانية رؤية مدرب “آلي” بالكامل يقود المباريات ويقيل الحدس البشري من عرشه التكتيكي في المستقبل القريب.

دكتور أحمد، يرى الكثير من المتابعين أن المونديال تحول في نسخته الأخيرة إلى ما يشبه “العرض التكنولوجي” البارد؛ فكيف يدير الذكاء الاصطناعي اليوم كواليس البطولة ككل، بعيداً عن تقنية التسلل التي تظهر للشاشات، بدءاً من التحكم في عشب الملاعب إلى رقابة الحشود؟

“عندما نتحدث اليوم عن كأس العالم، فإننا لا نتحدث فقط عن بطولة لكرة القدم، بل عن منظومة رياضية ذكية متكاملة تعمل على مدار الساعة؛ وأعتقد أن أكبر خطأ نقع فيه هو اختزال الذكاء الاصطناعي في تقنية التسلل أو بعض القرارات التحكيمية التي نشاهدها أثناء المباريات، لأن ما يظهر على الشاشة ليس سوى جزء صغير من منظومة رقمية واسعة تدير البطولة في كواليسها المختلفة، فالذكاء الاصطناعي أصبح حاضراً في مختلف عمليات التنظيم والتخطيط والرقابة ودعم اتخاذ القرار؛ ففي الملاعب الحديثة، تستخدم أنظمة ذكية تعتمد على تحليل البيانات بشكل مستمر لمتابعة حالة أرضية اللعب من حيث الرطوبة ودرجة الحرارة وجودة العشب، بما يساعد على توفير أفضل الظروف للأداء الرياضي ويحد من مخاطر الإصابات، أما خارج المستطيل الأخضر، فقد أصبحت الأنظمة الذكية أداة أساسية في إدارة الحشود الجماهيرية، حيث يتم تحليل حركة الجماهير والتنبؤ بمناطق الازدحام قبل حدوثها، مما يساهم في تنظيم عمليات الدخول والخروج وتحسين الأمن والنقل والخدمات اللوجستية.

ومن منظور الإدارة الرياضية، فإن التحول الحقيقي الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي يتمثل في الانتقال من إدارة تقوم على ردّ الفعل على الأحداث إلى إدارة تقوم على التوقع والاستباق، فبدلاً من انتظار المشكلات ثم البحث عن حلول لها، أصبحت الأنظمة الحديثة قادرة على تحليل البيانات والتنبؤ بالسيناريوهات المحتملة، ومساعدة المنظمين على اتخاذ قرارات أكثر دقة وفعالية؛ لذلك يمكن القول إن نجاح كأس العالم اليوم يتوقف على قدرة المنظمين على توظيف التكنولوجيا لضمان الكفاءة والأمن وجودة الخدمات، ومع التوسع المنتظر في استخدام هذه التقنيات خلال مونديال 2026، سنكون أمام مرحلة جديدة تصبح فيها التكنولوجيا شريكاً أساسياً في إدارة الحدث الرياضي الأكبر في العالم، وهنا تبرز رسالة مهمة للدول الطامحة إلى تنظيم البطولات والأحداث الرياضية الكبرى، مفادها أن القدرة على المنافسة لم تعد مرتبطة فقط بتوفر المنشآت الرياضية أو الإمكانات المالية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمدى توظيف الذكاء الاصطناعي في الإدارة والتنظيم والتخطيط الاستراتيجي؛ فالتكنولوجيا الرياضية أصبحت أحد الشروط الأساسية للتميز الرياضي وتحقيق التنمية الرياضية المستدامة.”

لكن هذه الدقة تثير امتعاضاً كبيراً؛ فتقنيات مثل “التسلل شبه الآلي” تصدر قراراتها وتحسم مصير مباريات مونديالية تاريخية في بضع ثوانٍ، وهنا نسألك بصراحة: هل حققت الآلة العدالة المطلقة والإنصاف أم أنها اغتالت عاطفة اللعبة وقتلت روح كرة القدم؟

“تقنية التسلل شبه الآلي، كما ظهر بوضوح في مونديال قطر 2022، تمثل تحولاً مهماً في مسار العدالة التحكيمية في كرة القدم الحديثة، لأنها قلّصت هامش الخطأ البشري ورفعت من دقة اتخاذ القرار في لحظات حساسة من المباراة؛ ومن زاوية العدالة، يمكن القول إنها عززت مبدأ الإنصاف داخل اللعبة، من خلال الاعتماد على قياسات دقيقة لتتبع حركة اللاعبين والكرة، ما جعل القرارات أكثر سرعة وموضوعية، وأقل خضوعاً للتقدير البشري، لكن في المقابل، يظل الجدل قائماً حول تأثير هذه التقنية على “روح اللعبة”، لأن كرة القدم ليست قوانين وقرارات فقط، بل أيضاً لحظات توتر وترقب وتفاعل جماهيري تشكل جزءاً أساسياً من جاذبيتها؛ لذلك يمكن القول إن التكنولوجيا لم تقتل روح كرة القدم، لكنها أعادت تشكيل مفهوم العدالة داخلها، بين دقة الآلة من جهة، وحساسية اللحظة الإنسانية في اتخاذ القرار من جهة أخرى.”

بما أننا نتحدث عن إدارة اللقاء، فإن كاميرات الملاعب الحديثة لم تعد تكتفي بالبث، بل أصبحت تمد المدربين بتحليلات حية وفورية على دكة البدلاء؛ فكيف غيّرت هذه البيانات الضخمة من طريقة إدارة المباريات تكتيكياً أثناء اللعب؟

“لقد أحدثت البيانات الضخمة وأنظمة التحليل الفوري تحولاً عميقاً في طريقة إدارة المباريات، حيث لم يعد المدرب يعتمد فقط على الرؤية البصرية أو الخبرة التراكمية، بل أصبح يتلقى قراءة دقيقة للمباراة أثناء سير اللعب؛ فأنظمة تتبع اللاعبين والكاميرات الذكية المزودة بخوارزميات تحليل البيانات تقوم بقراءة ديناميكية لحركة اللعب، من خلال رصد تمركز اللاعبين، والمسافات بين الخطوط، وسرعة التحول بين الدفاع والهجوم، وأنماط الضغط واسترجاع الكرة، وتحويل هذه المعطيات إلى مؤشرات واضحة تساعد الجهاز الفني على فهم مجريات المباراة بدقة أعلى وسرعة أكبر.

بما يتيح قراءة أوضح لنقاط القوة والضعف في الزمن الحقيقي؛ وبناءً على ذلك أصبح القرار التكتيكي يتخذ أثناء اللعب، سواء عبر إعادة تنظيم الفريق، أو تعديل أسلوب بناء الهجمة، أو تغيير تمركز بعض اللاعبين وفق ما تكشفه البيانات لحظياً، وهذا ما يفرض تحدياً جديداً يتمثل في ضرورة سرعة قراءة هذه المعطيات، دون الوقوع في التبعية المطلقة لها، أو إهمال دور الخبرة والملاحظة الميدانية؛ لذلك يمكن القول إن تحليل البيانات اللحظية أصبح جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار داخل المباراة، حيث يتكامل الذكاء التحليلي مع خبرة المدرب في صياغة القرار داخل الزمن الحقيقي للعب.”

الأمر تجاوز التكتيك إلى التدخل الفسيولوجي، فالخوارزميات الآن تتنبأ بإصابات اللاعبين قبل حدوثها بناءً على المجهود؛ فهل تحولت التكنولوجيا إلى متحكم أول في قرارات استبدال اللاعبين أو إشراكهم؟

“أحد أهم التحولات التي يشهدها مستوى الرياضة الاحترافية العالمية اليوم هو الانتقال من منطق علاج الإصابات إلى منطق التنبؤ بها قبل وقوعها؛ فبفضل الاستخدام الأمثل لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار القابلة للارتداء، وأنظمة تتبع الأداء البدني، أصبح بالإمكان مراقبة المؤشرات الفسيولوجية للاعب بشكل مستمر، مثل حجم الجهد المبذول، معدلات الاستشفاء، ومستويات الإرهاق، إضافة إلى مؤشرات مرتبطة بكفاءة الجهاز العضلي مثل استهلاك الأوكسجين الأقصى، هذه الأنظمة لا تقدم تنبؤاً يقينياً بالإصابة، لكنها تحدد مستوى الخطر واحتمالات حدوثها من خلال تحليل حركة العضلات واستجابة مختلف الأجهزة الوظيفية في الجسم، مما يمنح الجهاز الفني والطبي قدرة أكبر على التدخل الوقائي في الوقت المناسب، سواء عبر تعديل الأحمال التدريبية أو اتخاذ قرار إراحة اللاعب أو تقليل دقائق مشاركته؛ لكن رغم هذا التطور، لا يمكن القول إن التكنولوجيا أصبحت المتحكم الأول في قرارات إشراك اللاعبين أو استبدالهم، فالذكاء الاصطناعي يظل أداة مساعدة تقدم معطيات دقيقة وتوصيات مبنية على البيانات، لكنه لا يحيط بكل أبعاد القرار الرياضي، فهناك عناصر لا يمكن قياسها رقمياً بالكامل، مثل الحالة النفسية للاعب، أهمية المباراة، السياق التنافسي.

وإحساس المدرب بلحظة اللعب، لذلك يبقى القرار النهائي مرتبطاً بالمدرب وطاقمه الفني بالدرجة الأولى، ومن هنا يمكن القول إننا أمام نموذج جديد يقوم على الشراكة: التكنولوجيا تقلل هامش الخطأ وتوفر إنذاراً مبكراً، بينما يحتفظ المدرب والطبيب الرياضي بسلطة القرار النهائي، وفي تقديري، لا يكمن التحدي الحقيقي في امتلاك هذه التقنيات، بل في القدرة على قراءتها بشكل صحيح وتوظيفها بطريقة علمية لحماية اللاعب وتحسين الأداء، وهو ما يمثل اليوم أحد الفوارق الأساسية بين المنظومة الرياضية المتقدمة وغيرها.”

ختاماً، هل سنصل إلى يوم نرى فيه مدرباً “آلياً” يضع الخطة ويقود التغييرات بالكامل، أم أن “الحدس البشري” سيبقى عصياً على التشفير والبرمجة؟

“أعتقد أن هذا السؤال يلامس جوهر التحول الحاصل في الرياضة الحديثة؛ فمن الناحية التقنية، أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم قادراً على تحليل كميات هائلة من البيانات، واقتراح خطط تكتيكية دقيقة، بل والتنبؤ بالسيناريوهات المحتملة داخل المباراة بسرعة تفوق القدرة البشرية، لكن في المقابل، يجب التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي هو في النهاية نتاج العقل البشري، وأي تطور فيه يظل امتداداً لقدرات الإنسان، وليس بديلاً عنها بشكل كامل، ورغم هذا التطور، تظل كرة القدم لعبة إنسانية بامتياز، لا تختزل في المعادلات أو النماذج الرقمية، فهي لعبة تتأثر بالإحساس، والضغط، والمفاجأة، والإبداع غير المتوقع، إضافة إلى تفاعل الجمهور والمدرب واللاعبين والبدلاء، وهي عناصر لا يمكن برمجتها بالكامل؛ فالمدرب لا يدير أرقاماً فقط، بل يدير عقول اللاعبين ومشاعرهم، ويقرأ لغة الجسد، ويتعامل مع الضغط النفسي، ويتخذ قرارات حاسمة في سياقات لا يمكن للبيانات وحدها تفسيرها، لذلك، من غير المرجح أن نصل إلى نموذج “مدرب آلي” كامل يحل محل الإنسان، بل إلى نموذج أكثر واقعية وفاعلية: مدرب إنسان مدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، في هذا النموذج، تتولى الخوارزميات التحليل والتوقع وتقديم البدائل، بينما يحتفظ المدرب بدوره في القيادة واتخاذ القرار وقراءة روح المباراة في الزمن الحقيقي؛ وفي النهاية، كلما تطورت الخوارزميات، ازدادت أهمية الحدس البشري، لأنه العنصر القادر على تحويل البيانات إلى رؤية، والخطة إلى فعل حي داخل الملعب، ومن هنا يمكن القول إن التحدي الحقيقي لا يكمن في هيمنة الآلة أو الإنسان، بل في القدرة على تحقيق التوازن بين دقة التحليل الرقمي وحكمة القرار البشري داخل المنظومة الرياضية.”

حاورته: حليمة. خ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *