“جحا”.. تميمة تبحث عن قصتها في ضجيج المونديال العربي
حين أعلن عن جحا تميمة رسمية لكأس العرب 2025، بدا المشهد أشبه برهان كبير على رمز جاهز في الذاكرة العربية، فاستدعاء شخصية أيقونية من التراث وتحويلها إلى سفير رياضي وضع البطولة أمام فرصة تسويقية تمنحها ارتباطاً وجدانياً سريعاً مع الجمهور، ومع مرور أسبوع واحد على انطلاق المنافسات تحول جحا من فكرة نظرية إلى حضور حي يتجول بين الجماهير ويظهر على الشاشات، ومع هذا الظهور تزايدت طبقات القراءة حول تجربته الجديدة، وأصبح أمام تحدٍ لإقناع جمهور واسع بتنوع ثقافاته وأجياله، وإثبات قيمته داخل مشهد إعلامي سريع لا يمنح مساحة للشخصيات الصامتة ويعتمد على القصص القصيرة والمحتوى الفيروسي، وابتداءً من ذلك انتقل النقاش من مجرد تقييم الاختيار إلى محاولة فهم مدى قدرة التميمة على التفاعل الحقيقي مع الحدث والمشاهدين، ومدى نجاحها في تحقيق الربط بين الماضي الثقافي والحاضر الرياضي.
“جحا” هو بطل آلاف النوادر الشعبية التي تمتد عبر العالم العربي والإسلامي، وهو يمثل شخصية “الحكيم الساخر” الذي يستخدم الفكاهة والبساطة الظاهرية لتقديم نقد اجتماعي لاذع وفلسفة عميقة. هذا الثراء في الشخصية هو ما يجعلها كنزاً ثقافياً، وفي نفس الوقت يضع على عاتق البطولة مسؤولية اختيار الوجه الذي ستقدمه من شخصيته متعددة الأوجه. الاهتمام العام لم يعد محصوراً في تقييم اختيار الشخصية، بل امتد إلى شكل التفعيل داخل البطولة، فقد كانت التوقعات تتجه نحو بناء عالم قصصي يسبق الظهور الميداني ويقدّم التميمة كحكاية متكاملة، بينما أظهرت الأيام الأولى حضوراً بصرياً قوياً بلا سردية تمنح الشخصية صوتها الكامل، فصار جحا وجهاً مألوفاً في كل مكان، لكنه لم يتحول بعد إلى قصة يعيشها الجمهور.
وتفتح بولا هذا الملف بعد أسبوع من انطلاق البطولة لرصد الفجوة بين الإمكانات الكبيرة للتميمة وأدائها الحالي، من خلال قراءة خبراء التصميم والتسويق الذين لاحظوا أن التميمة، رغم اتقان تصميمها وإبراز هوية عربية أصيلة، ما تزال بحاجة إلى استراتيجية رقمية متكاملة، تشمل محتوى يومياً على المنصات الرقمية مثل تيك توك وإنستغرام، وحلقات قصيرة ورسوم متحركة تربط الشخصية بقيم رياضية وسلوكيات يمكن للأطفال والشباب التفاعل معها، فالنجاح اليوم لم يعد يكتفى بالشكل البصري، بل يحتاج إلى حياة رقمية متواصلة تمنح التميمة القدرة على صناعة حضور مؤثر ومستدام.
والتحدي الأكبر يكمن في الموازنة بين الإرث الثقافي ومتطلبات الحداثة، فالإرث يمنح التميمة عمقاً فورياً ويربطها بهوية شعبية مشتركة تمثل قوة ناعمة يصعب صناعتها، بينما يحمل هذا الإرث صوراً ذهنية قد تختلف بين الأجيال، وجحا في نوادر الأجداد شخصية مركبة تجمع الذكاء والسخرية والخفة والحكمة، وهذا التنوع يثريها أدبياً لكنه قد يتحول إلى عبء تسويقي في سوق يبحث عن شخصية بسيطة يسهل تفاعل الأطفال معها، وتقديم جحا في البطولة يمر عبر تحديد النسخة التي تظهر أمام الجمهور، سواء كانت نسخة الحكيم الذي يقدم دروساً طريفة أو النسخة الكوميدية التي تعيش مواقف مضحكة.
عاطف ناصري (مصمم غرافيكي بقنوات الكأس):“أعجبني الاختيار و كنت أتمنى لو كان أكثر طرافة وعصرية“

من منظور فني بحت يمثل “جحا” حالة دراسية معقدة. المصمم الغرافيكي بقنوات الكأس، عاطف ناصري، الذي تابع ظهور التميمة وتفاعلها عن كثب يقدم لـ “بولا” قراءة نقدية دقيقة توازن بين الإعجاب بالفكرة والتحفظ على التنفيذ. يقول ناصري: لا يمكن لأي فنان إلا أن يعجب بعبقرية اختيار شخصية “جحا”، إنها فكرة تحمل في طياتها الفكاهة والحكمة والتاريخ وهي عناصر تمنح أي تصميم عمقاً فورياً، لكن التحدي الأكبر الذي يواجه أي مصمم عند التعامل مع شخصية تراثية هو كيفية تحديثها دون خيانة روحها الأصلية، وهنا أعتقد أن التصميم النهائي كان محافظاً بعض الشيء، كنت أتمنى شخصياً لو كان أكثر طرافة وعصرية في ملامحه وحركاته.
ويغوص ناصري في تفاصيل التقييم البصري موضحاً:”على المستوى التقني العمل متقن، هناك اهتمام واضح بالتفاصيل التي تصرخ هوية عربية مثل الزخارف الدقيقة في اللباس واختيار ملمس القماش أو ما نسميه “Texture” وهي لمسات تمنح المجسم ثلاثي الأبعاد دفئاً وأصالة، لكن هذا الإتقان التقني لم يترجم دائماً إلى شخصية كرتونية محبوبة بالمعايير الحديثة، إذا قارناه بتمائم ديزني أو بيكسار نجد أن “جحا” يفتقر إلى تلك المبالغة في تعابير الوجه والحركة التي تخلق ارتباطاً عاطفياً سريعاً مع الأطفال، إنه يبدو أقرب إلى تمثال متقن منه إلى صديق مرح”.
ويطرح ناصري سؤالاً جوهرياً حول الجمهور المستهدف فيقول:” السؤال الذي طرحته منذ البداية حول مدى معرفة الجيل الجديد بجحا بدأت إجابته تتضح، الشباب والأطفال يتعاملون معه كشخصية جديدة تماماً لا كرصيد من ذاكرتهم، وهذا يعني أن مهمة بناء شخصيته من الصفر كانت ضرورية وهو ما لم يحدث بالكامل بعد، في النهاية لو أردنا وضعه في سياق مقارن سأظل أمنحه مرتبة متقدمة، ربما في المرتبة الثانية بعد تميمة كأس العالم “لعّيب”، ليس لأن تصميمه أفضل بل لأن فكرة “جحا” بحد ذاتها تملك قصة وإمكانيات لم تستغل بعد، وهو ما يجعله مشروعاً فنياً مفتوحاً أكثر من كونه منتجاً نهائيا.”
عبد الرحمن نجاري (خبير تسويق ومصمم):“جحا هوية لا مجرد ديكور”

من زاوية التسويق الاستراتيجي يرى الخبير عبد الرحمن نجاري أن الأسبوع الأول من البطولة كشف عن مفارقة صارخة: امتلاك أصل تجاري لا يقدر بثمن مع تفعيل محدود لإمكانياته. في تحليل خص به “بولا” يقول نجاري: نحن أمام حالة تسويقية نادرة، تميمة هي هوية ثقافية جاهزة وليست مجرد ديكور جميل، “جحا” يمثل قصة مشتركة وقاسماً مشتركاً يمنح البطولة انتماءً لا يمكن لأي حملة إعلانية أن تشتريه، لكن ما لاحظناه بوضوح خلال الأيام الماضية هو أن اللجنة المنظمة ركزت على الحضور البصري المكثف للشخصية وأهملت العنصر الأهم: تفعيل عالمها القصصي، لقد رأينا “جحا” في كل مكان لكننا لم نسمع قصته في أي مكان.
ويفصّل نجاري هذه الفجوة بين الاستراتيجية والتنفيذ قائلاً: الطفل اليوم لا يرتبط بمجسم يراه في الملعب بل بشخصية يتفاعل معها على شاشة هاتفه، كان من المفترض أن نشهد منذ اليوم الأول إغراقاً للمنصات الرقمية بمغامرات يومية لجحا، مقاطع فيديو قصيرة على تيك توك وإنستغرام، حلقات رسوم بسيطة تربطه بقيم رياضية، تحديات تفاعلية، فلاتر للصور، ما حدث هو أن “جحا” ظهر كشخصية صامتة في الغالب، وهذا في عالم التسويق الرقمي يعني أنه شخصية بلا روح. المنتجات متوفرة في المتاجر، لكن ما الذي سيدفع الطفل لإقناع والديه بشرائها إذا لم يكن قد بنى علاقة عاطفية مع الشخصية أولاً؟ القصة هي التي تخلق الرغبة، والرغبة هي التي تحرك المبيعات.
ويشدد الخبير التسويقي على أن الفرصة لم تفت بعد لكنها تتطلب تحركاً سريعاً، فيوضح:”يجب الانتقال فوراً من استراتيجية عرض التميمة إلى استراتيجية رواية قصتها، يجب أن نسمع صوت “جحا الحكيم” الذي يقدم دروساً طريفة عن الروح الرياضية وليس “جحا الساذج”، يجب أن يتحول إلى صوت البطولة الأخلاقي من خلال محتوى رقمي يومي سريع ومكثف، يمكن بناء سردية “جحا الذي يرى ما لا نراه”، حيث يلتقط التفاصيل الإنسانية خلف الكواليس ويحولها إلى دروس مؤثرة.
إذا استمر “جحا” كأيقونة بصرية جميلة سينتهي أثره مع صافرة النهاية، أما إذا تم تفعيل عالمه القصصي بذكاء خلال الأيام المتبقية فسيتحول إلى سفير إعلامي مستدام ورمز جماهيري يعيش لسنوات قادمة، هذا هو الاختبار الحقيقي الذي يخوضه “جحا” ليس في الملاعب بل في ساحة المحتوى الرقمي الآن.
حليمة.خ




