تُعد الرياضات الميكانيكية في الجزائر أكثر من مجرد سباقات للسرعة، فهي ثقافة تضرب جذورها في رمال الصحراء الكبرى، حيث تتحول المحركات إلى وسيلة للتحدي والبقاء وأيضاً للإبداع الرياضي، وفي ولاية المنيعة، وتحديداً ببلدية حاسي القارة، لا يزال صدى المحركات يتردد ليحكي قصة طموح لم تكسرها قلة الإمكانيات، إنها قصة “نادي الغزال الصحراوي” الذي قرر منذ سنوات أن يرفع التحدي في وجه النسيان.
ويصنع من الكثبان الرملية مضامير للأمل، محاولاً حماية الشباب من الانحراف عبر توجيه طاقاتهم نحو رياضة المحركات، في تجربة فريدة تمزج بين السياحة الرياضية والعمل التربوي العميق، وهو ما يتجسد سنوياً في موعد استثنائي ينتظره الجميع، وهو الرالي الوطني السياحي الذي ينظمه النادي ويجمع بين إثارة “الموتوكروش” وسحر “الطيران الشراعي” في سماء الصحراء الواسعة.
تخصصات متنوعة وإعداد احترافي للشباب
وتعود نشأة هذا الصرح الرياضي إلى الأول من ماي عام 2013، حيث تأسس “النادي الرياضي الهاوي الغزال الصحراوي للرياضات الميكانيكية بحاسي القارة” برؤية تتجاوز حدود الهواية، حيث يوضح المنظم والمسير أبوالقاسم عبد الحميد أن النادي وضع منذ البداية أهدافاً واضحة تتمثل في تعزيز الرياضات الميكانيكية وتطوير قدرات الشباب المحلي، وتحت رئاسة السيد محمد بن سويسي الملقب بـ “إدريس”، سعى النادي لتعزيز التعاون المجتمعي ونشر ثقافة السلامة المرورية، ولعل أهم محطة سنوية يثبت فيها النادي جدارته هي الرالي الوطني السياحي، هذا الحدث الفريد الذي يقام مرة واحدة كل عام ويشكل قبلة لهواة المغامرة من مختلف رباط الوطن، حيث يشرف أبوالقاسم عبد الحميد على تنظيمه بدقة متناهية، ليكون الرالي واجهة سياحية ورياضية تعكس جمال حاسي القارة وقوة شبابها في التحكم في تخصصات صعبة كالموتوكروش التي تتطلب مهارة عالية فوق الكثبان الرملية.
وتتنوع التخصصات التي يضمها هذا القطب الرياضي لتشمل الدراجات الهوائية والنارية، والسيارات ذات الدفع الرباعي، وصولاً إلى الطيران الشراعي الذي يمنح الرالي السنوي طابعاً جمالياً وتغطية جوية مبهرة، ويشير أبوالقاسم عبد الحميد إلى أن النادي يسهر على التكوين والتدريب المستمر، حيث يتم التركيز على الفئات الصغرى في مجال الدراجات النارية لزرع أسس القيادة الصحيحة منذ الصغر، بينما تخصص تدريبات السيارات ذات الدفع الرباعي للفئات الكبرى، ويضيف عبد الحميد أن هذا التأطير يتم من خلال تعيين مدربين من أعضاء النادي ممن يمتلكون خبرة ميدانية طويلة.
أما من الجانب التقني والميكانيكي، فإن النادي يعتمد على ورشات خارجية متخصصة لضمان سلامة العتاد خاصة في المواعيد الكبرى مثل الرالي السنوي، وهو ما يحرص عليه دائماً رئيس النادي محمد بن سويسي لضمان سير النشاطات في إطار احترافي وآمن يحمي المشاركين والجمهور الغفير الذي يحضر لمتابعة عروض الموتوكروش والطيران الشراعي.
التحديات المادية والدعم المحدود
إن فلسفة “الغزال الصحراوي” في احتضان طاقات الشباب تذهب إلى أبعد من مجرد قيادة المركبات، فهي تهدف إلى نشر ثقافة الرياضة الميكانيكية بأسلوب أكاديمي يقي من الانحراف الاجتماعي والآفات، وهنا يؤكد أبوالقاسم أن النادي يتبنى منهجية “التعلم من الأخطاء” كأداة للتطور المستمر، ويحرص دائماً على الاحتكاك بأهل الاختصاص من الخبراء والتقنيين الذين يشاركون في الرالي السياحي.
وهذا التبادل المعرفي ساهم في صقل مهارات المنخرطين، رغم أن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود، حيث يقر أبوالقاسم عبد الحميد بأن النادي يعاني من محدودية كبيرة في الإمكانيات المادية، معتمداً بشكل شبه كلي على اشتراكات الأعضاء المحدودة، وهو ما يجعل الدعم المادي لتنظيم “رالي الموتوكروش” السنوي ضئيلاً جداً ولا يغطي تكاليف اللوجستيات الضخمة من وقود وصيانة وتأمين المسالك، وهي نفس التحديات التي يواجهها السيد بن سويسي في تسيير هذا النادي الطموح في ظل غياب الممولين الكبار والسبونسور لهذا النوع من الرياضات المكلفة. وعن العلاقة مع الهيئات الوصية، يرى عبد الحميد أنها علاقة جيدة يسودها الاحترام، لكنه لا يخفي عتبه على ضآلة الدعم الموجه للرياضات الميكانيكية مقارنة بالرياضات الجماعية الأخرى، وبالرغم من هذه التحديات، فإن طموحات “الغزال الصحراوي” لا تزال تعانق السماء.
حيث يطمح النادي بقيادة مسيريه وعلى رأسهم محمد بن سويسي (إدريس) إلى الانتقال من الرالي الوطني إلى احتضان تظاهرات دولية كبرى، مع التركيز على حلم كبير يتمثل في تأسيس مدرسة بمواصفات دولية لتعليم فنون السياقة على الرمال وتخصصات الموتوكروش، ليكون مرجعاً عالمياً لكل عشاق التحدي، ويوجه المنظم والمسير أبوالقاسم عبد الحميد دعوة صريحة للمستثمرين والمدعمين للالتفات لهذا الرالي السنوي الذي يمتلك قدرة هائلة على جذب الشباب واستغلال الفراغ القاتل بما ينفع الوطن، والمساهمة في إحياء رياضة الطيران الشراعي التي تعطي بعداً سياحياً عالمياً للمنطقة.
رسالة إلى الشباب… الرياضة طريق للإبتعاد عن الإنحراف
وفي رسالة مفتوحة لكل الشباب، يرحب أبوالقاسم بالجميع من أجل كسب الخبرات الرياضية وقتل وقت الفراغ ومحاربة المخدرات، مؤكداً أن الهدف الأسمى هو إعطاء صورة مشرفة لهذه الرياضة التي تكاد تنقرض لولا هذه المواعيد السنوية، فكل منخرط تحت لواء نادي السيد محمد بن سويسي هو سفير للسلامة ولأخلاق الصحراء، يساهم في إحياء موروث ميكانيكي عريق، ومن هنا يظل “الغزال الصحراوي” صامداً أمام عواصف نقص الدعم، مستمداً قوته من عزيمة أبنائه الذين يرفضون أن تنطفئ شعلة المحركات فوق رمالهم الذهبية، ويواصلون العمل بكل صمت وإخلاص من أجل غد أفضل تكون فيه حاسي القارة قطباً عالمياً للموتوكروش والطيران الشراعي، تماماً كما تبرزه تظاهرة الرالي الوطني التي يثبت من خلالها شباب المنيعة أنهم أسياد الرمال والجو على حد سواء.
ختاماً، يمثل نادي الغزال الصحراوي قصة كفاح حقيقية في قلب المنيعة، حيث تتحول المحركات والطائرات الشراعية من مجرد آلات إلى أدوات فعالة للتربية والتمكين، فالإرادة التي يظهرها أبوالقاسم عبد الحميد ورفاقه في تنظيم الرالي السنوي رغم شح الموارد هي رسالة قوية بأن الشباب الجزائري قادر على الإبداع إذا وجد الدعم الصحيح، ولأن الأحلام الكبيرة تبدأ بخطوة، فإن حلم المدرسة الدولية للسياقة على الرمل هو مشروع وطني يستحق الدعم والالتفات، لضمان بقاء هذا النادي الذي يقوده محمد بن سويسي يركض بكل قوة، حاملاً معه آمال جيل يرفض الانكسار ويطمح للوصول إلى العالمية بكل ثقة، لتبقى الرياضات الميكانيكية هي النبض الذي يحيي سياحة المغامرة ويحمي الشباب من الضياع في دروب الحياة الوعرة والمحفوفة بالمخاطر.
حليمة. خ



