حوارات

قادة بن عمار (إعلامي): “مواجهة النفس في رمضان… المعركة الأصعب”

حين يطل قادة بن عمار عبر الشاشة، يدرك المشاهد أنه أمام “مباراة” إعلامية من نوع خاص، حيث الكلمة المباشرة، والأسئلة التي تشبه القذائف التي لا تخطئ مرماها، لكن في رمضان، يبدو أن هذا الإعلامي الشرس الذي أرعب ضيوفه في “كلام مباشر”، قد قرر تغيير تكتيكه تماما، مفضلاً الجلوس في مدرجات المشاهدين بعيداً عن صخب البلاتوهات، ليمنح نفسه وقتاً مستقطعاً للمراجعة والتأمل، وفي هذا الحوار لجريدة “بولا”، يفتح بن عمار قلبه قبل عقله، متحدثاً بلغة تجمع بين حنكة المحلل السياسي ونباهة الناقد الرياضي، ليشرح لنا كيف يقضي رمضانه بعيداً عن الأضواء.

في برنامجك “كلام مباشر”، اعتدتَ أن تكون “رأس الحربة” الذي يخترق حصون ضيوفه؛ هل يفرض عليك رمضان “تغييراً تكتيكياً” فتتحول إلى “صانع ألعاب” هادئ في محيطك العائلي، أم أن “نرفزة الصيام” تجعلك تندفع للهجوم دون قصد؟

“بسم الله الرحمن الرحيم، فيما يتعلق بجدلية النرفزة والهدوء في هذا الشهر العظيم، أقول لكِ إن شهر رمضان بطبعه وروحانيته العالية يفرض نوعاً من الهدوء الإجباري والاختياري على الإنسان، خصوصاً في تلك الأيام الأولى التي يعيد فيها الجسم والروح ترتيب أولوياتهما، فبالنسبة لي الرتم الذي يكون عليه الشهر هو رتم هادئ وسكينة داخلية أحاول الحفاظ عليها، أما عن تلك النرفزة التي قد يراها البعض في العمل، فأنا أفضل دائماً إبقاءها في إطارها المهني الصرف، أحاول احتواءها والسيطرة عليها وتوجيهها لتكون أداة لاستخراج الحقيقة من الضيف، ولكن في السنوات الأخيرة، ولا أخفي عليكِ سراً، بدأت أشعر بأن تلك النرفزة باتت تتلاشى لصالح هدوء أكبر بات هو المسيطر على شخصيتي، ولعل هذا هو السبب الجوهري الذي جعلني أبتعد عن العمل الصحفي في رمضان للسنة الثانية على التوالي، فأنا لا أريد الخلط بين ضجيج العمل التلفزيوني وبين قدسية الصيام والراحة الروحية التي يحتاجها الإنسان، لذا قررت أن أعتزل “البلاطوهات” مؤقتاً لأكون صانع ألعاب في محيطي الخاص، أوزع الهدوء على من حولي وأستمتع بلحظات السكينة بعيداً عن ضغط المباشر.

الرياضة والسياسة كلاهما يعتمد على “الجمهور” و”النتائج”؛ كيف يقرأ قادة بن عمار “مزاج الشارع الجزائري” في رمضان؟ هل تراه يميل لـ “الروح الرياضية” والسكينة، أم أنه يعيش “شوطاً إضافياً” من الضغط والتوتر قبل الإفطار؟

“قراءتي لمزاج الشارع الجزائري تنطلق من ملاحظة بسيطة للرتم اليومي، فالجزائري بطبعه وتكوينه السوسيولوجي يميل إلى السكون والاستكانة في الساعات الأولى من الصباح، حتى يخيل للمرء الذي يتجول في الشوارع أن هناك حالة طوارئ غير معلنة قد فُرضت، حيث تغيب الحركة وتكاد تنعدم الحيوية، ولكن ما إن تتجاوز الساعة منتصف النهار ويبدأ العد التنازلي لموعد الإفطار، حتى يكتسح الناس الأسواق والشوارع في هبة واحدة، وهنا نلاحظ أن الجزائري يميل تماماً إلى أسلوب اللعب في “الوقت بدل الضائع”، حيث يحاول تنفيذ كل مشاريعه وبرامجه واقتناء حاجياته في تلك الدقائق الأخيرة، وكأننا هنا في مباراة كرة قدم تجاوزت الأشواط الأساسية والإضافية ودخلت في مرحلة الحسم.”

 بين “صخب الملاعب” و”صخب البلاتوهات”، يمنحنا رمضان “وقتاً مستقطعاً” للمراجعة؛ لو أردتَ أن تمنح “جائزة الروح الرياضية” لشخصية رياضية فاجأتك بهدوئها واتزانها في عز الأزمات هذا العام، من تختار؟

“اختيار شخصية واحدة هو أمر في غاية الصعوبة لأن الساحة مليئة بالمتناقضات، ولكن بالعودة إلى تاريخنا الرياضي وبحكم من حاورتهم واقتربت منهم، يظل اسم “عمر بتروني” يثير في نفسي الكثير من الإعجاب، فهو ذلك اللاعب السابق الذي حافظ على هدوئه وابتسامته الدائمة رغم كل ما حققه من أمجاد، وأعتقد أن جيل بتروني وصالح عصاد وغيرهم من عمالقة الكرة الجزائرية قد عقدوا اتفاقاً تاريخياً مع الهدوء والرزانة، فهم جيل لا يطيق الصخب ولا يميل إلى الاستعراض الجوفاء، ولذلك أمنحهم هذه الجائزة الرمزية لأنهم مدرسة في كيفية الحفاظ على الاتزان في عز الأزمات، وهم يعطوننا درساً بليغاً في أن الصمت أحياناً يكون أبلغ من كل الضجيج الذي نراه اليوم في بلاطوهات التحليل الرياضي التي تفتقر أحياناً لتلك “الروح الرياضية” العالية التي كان يتمتع بها هؤلاء الكبار.”

لو كان عليك “تحليل” مائدة رمضان في الجزائر بمنطق “الناقد الرياضي”؛ أين ترى “الخلل في التشكيلة”؟ وهل تعتقد أننا نبالغ في “الاستعراض” (التبذير) على حساب “الأداء الفعلي” لروحانية الشهر؟

“إذا أردنا تحليل مائدتنا بمنطق النقد، سنجد أن هناك “خللاً تكتيكياً” واضحاً في توزيع الأولويات، فنحن نبالغ كثيراً في الاستعراض البصري والمادي على حساب الجوهر، وأكثر ما يثير إزعاجي ويستفزني كناقد اجتماعي وإعلامي هو تلك “المغالاة” المرعبة في إعداد الموائد ثم القيام بتصويرها واستعراضها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي عادة دخيلة فرضتها التكنولوجيا الحديثة ولا صلة لها بديننا ولا بتقاليدنا الأصيلة، بل هي سلوك يثير الحساسيات ويجرح مشاعر المحتاجين ويفتح أبواباً للتبذير الذي نهى عنه الخالق، فبدل أن يكون التركيز على “الأداء الفعلي” لروحانية الصيام والتقرب من الله وتفقد الجيران، أصبحنا نبحث عن “اللقطة” الجميلة والمائدة المزينة للتباهي بها رقمياً، وهذا في نظري هو أكبر فشل في تشكيلتنا الرمضانية التي يجب أن تعود لبساطتها وعمقها الروحي بعيداً عن أضواء الهواتف والتباهي الفارغ.”

خلف ملامح “الإعلامي الصارم” التي يراها الجمهور، هل يمتلك رمضان القدرة على “كسر التسلل” والوصول إلى مناطق الضعف في شخصيتك؟ وما هو الموقف الإنساني الذي قد يجعل دموعك تسبق كلماتك في هذا الشهر؟

“أريد أن أصحح فكرة سائدة، فأنا لا أعتبر نفسي إعلامياً صارماً بالمعنى الجاف للكلمة، بل أنا من أكثر الإعلاميين الذين يحرصون على الابتسامة حتى في عز النقاشات السياسية الساخنة، وقد حاولت دائماً كسر تلك القواعد الجامدة للبرامج السياسية التي تفرض ملامح متجهمة، أما عن الموقف الإنساني الذي “يكسر تسللي” ويجعل مشاعري تفيض، فهي تلك الأخبار المرتبطة بمعاناة البسطاء ومشاكل الناس الاجتماعية التي تدمي القلب، وإذا ذهبنا إلى ما هو أبعد، فإن القضايا الكبرى وعلى رأسها مأساة أهلنا في فلسطين، وما يحدث في السودان والصومال واليمن، هي كرات لهب تحرق الوجدان، ولذلك أقولها دائماً بصدق، أنا لا أستطيع تقديم “نشرة أخبار” في هذا الزمن، لأن نشرة الأخبار أصبحت كئيبة جداً ومثقلة بالدماء والدموع.”

“جواد بدة” و”إيكامبي”.. لو اجتمعا معك على مائدة إفطار واحدة، هل ستمرر لهما “التمر” بروح رياضية، أم ستعتبرها فرصة لـ “تصفية حسابات” كروية وإعلامية؟

“في الحقيقة، أنا ليس لدي مشكلة شخصية مع أي أحد، وقلبي لا يحمل ضغينة لأي فرد بصفته الشخصية، ولكن مشكلتي الأساسية والوحيدة، والتي لا أساوم فيها، هي مع كل من يحاول المساس بكرامة بلدي أو إهانة رموز الجزائر وتاريخها العظيم، فكل من يسيء لرموزنا سواء كانوا من الشهداء أو الرموز التاريخية أو حتى الرموز الحالية، سيجدني واقفاً له بالمرصاد ولن أتأخر لحظة واحدة في الرد عليه بكل قوة، أما إذا تعامل هؤلاء أو غيرهم بسلمية واحترام مع الجزائر ومع رموزها، فلن أقول عنهم ربع كلمة تسيء إليهم.”

ختاماً.. قادة بن عمار الذي لا يخشى “المواجهة”؛ هل تجد أن “الانتصار على النفس” في رمضان أصعب تكتيكياً من “الانتصار في معركة إعلامية” أمام ضيف عنيد؟

“أعتقد بأن المقارنة هنا بعيدة جداً بين عالمين مختلفين، فالانتصار على النفس في رمضان هو “أم المعارك” وهو انتصار في الدنيا والآخرة بإذن الله، وهو جهاد يومي يتطلب صبراً وتكتيكاً روحياً عالياً للحصول على مرضاة الخالق، أما الانتصار على ضيف في معركة إعلامية، فهي في النهاية معركة “مفتوحة” ومحدودة بزمن البرنامج وبقواعد المهنة، قد تسجل فيها نقاطاً لصالحك اليوم، وقد تسجل نقاط ضدك في جولة أخرى، وهي حرب مرتبطة بالمصداقية والمهنية والظرف السياسي والإعلامي، لذا لا يمكن مقارنة معركة مرتبطة بالزمن والمهنة بمعركة مرتبطة بالمصير الروحي والذاتي للإنسان، فالانتصار على النفس هو الفوز الأكبر الذي ننشده جميعاً في هذا الشهر الفضيل، وهو التحدي الذي لا يضاهيه أي تحدٍّ آخر تحت أضواء البلاتوهات.”

حاورته: حليمة. خ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى