إتحاد وهران .. قرن من الصمود الرياضي والنضال الثوري
بينما تمر السنوات وتتغير خارطة الكرة المستديرة، تبقى هناك قلاع شامخة ترفض النسيان رغم غبار “التهميش” الذي طالها. نحن هنا بصدد الحديث عن إتحاد وهران، أو كما عرفه التاريخ بـ “الإتحاد الرياضي الإسلامي الوهراني”، ذلك النادي الذي لم يكن مجرد جمعية رياضية، بل كان حصناً للهوية الوطنية، ومنبراً للمقاومة في قلب “الباهية” وهران. اليوم، ونحن نحتفي بالذكرى المئوية لتأسيسه، نستعرض مسيرة قرن من الزمن، بين أمجاد “الماضي التليد” وانكسارات “الحاضر المرير”.
الصخرة التي تحطمت عليها أطماع “الإستعمار”
يعود تاريخ ميلاد هذا الصرح إلى الفاتح من مارس عام 1926. في وقت كانت فيه الإدارة الاستعمارية تسعى لفرض الأندية الأوروبية لإذابة الهوية الجزائرية، قرر ثلة من المقاومين الأوفياء، أمثال: صادق بومازة، بندوبة (المعروف بالفلوس)، بن كولة، وبومفرا، أن يرفعوا التحدي. اجتمع هؤلاء في أحد مقاهي “المدينة الجديدة” العريقة، ليعلنوا عن تأسيس نادي يجمع شمل الجزائريين تحت راية “الإسلام والعروبة”. لم يكن الحصول على “الاعتماد” نزهة، بل كان معركة إدارية شرسة. فقد حاولت السلطات الفرنسية بشتى الطرق شطب كلمة “إسلامي” من اسم النادي، لكن عزيمة المؤسسين كانت أقوى. وظل الاتحاد صامداً، ليكون النادي محافظا على صفة “مسلم” في تسميته الرسمية بقرار تاريخي صدر عام 1936، متحدياً القوانين التي حاولت فرض دمج اللاعبين والمسيرين الأوروبيين لتمييع صبغته الوطنية.
دلالات الألوان: “الأبيض” للأمل و”الأسود” لرفض القمع
لم يأتِ اختيار اسم الإتحاد من فراغ، بل كان دعوة صريحة لوحدة الصف الوهراني والجزائري في وجه المستدمر. أما ألوان النادي، فهي سيمفونية من المعاني؛ فالأسود يرمز للحقبة الاستعمارية القاتمة والمعاناة التي عاشها الشعب، بينما يمثل الأبيض بريق الأمل والفجر المرتقب لاستعادة السيادة الوطنية. هذه الألوان كانت تُرهب الخصوم في الميدان بقدر ما كانت تُلهم الأنصار في المدرجات.
الحقبة الذهبية: حينما تسيد “ليزمو” عرش شمال إفريقيا
رياضياً، لم يكن الإتحاد مجرد مشارك، بل كان “غولاً” كروياً. تدرج النادي بسرعة البرق محققاً سبعة ألقاب تاريخية. ولم تقتصر هيبته على المستوى المحلي، بل امتدت لتشمل بطولة وكأس شمال إفريقيا، بفضل جيل من العمالقة الذين حفروا أسماءهم بذهب، أمثال: بغداد، قناوي، دراوة، بوعقل، وبن جهان. في تلك الحقبة، كان الإتحاد هو المرجعية الكروية التي يهابها الجميع من وهران إلى تونس.
عندما إنتصرت الثورة على الكرة
مع اندلاع الثورة التحريرية الكبرى عام 1954، أثبت اتحاد وهران أن وفاءه للوطن يفوق عشق الكرة. وفي عام 1956، لبت إدارة النادي نداء جبهة التحرير الوطني بمقاطعة المنافسات الرسمية. ولم يكتفِ النادي بالمقاطعة، بل قدم قوافل من الشهداء الذين استبدلوا أطقمهم الرياضية باللباس العسكري، نذكر منهم: موسى لخضر، عرومية، مفتاح قويدر، والشهيد بلقاسمي محمد. لقد سقى لاعبو الاتحاد تراب الوطن بدمائهم، مؤكدين أن الرياضة في مفهومهم هي وسيلة لتحرير الإنسان والأرض.
ما بعد الإستقلال… تحديات مستمرة
عكس التوقعات، واجه النادي صعوبات بالغة بعد عام 1962. فبعد سنوات المقاطعة، تشتت شمل الفريق وهجر العديد من النجوم نحو أندية أخرى، مما جعل رحلة العودة إلى الأضواء شاقة. وعلى الرغم من محاولات الإصلاح الرياضي عام 1978، وانضوائه تحت لواء شركة “أوناكو” (ONACO) وتغيير اسمه مؤقتاً إلى “نادي الديوان التجاري لوهران”، إلا أن بريق النادي بدأ يخبو تدريجياً مع تراجع الدعم المالي وتحوله إلى الاعتماد على إعانات محلية شحيحة.
مدرسة “النجوم” التي أثرت الأندية الأخرى
رغم تواجد الفريق حالياً في الأقسام السفلى (الجهوي الثاني)، إلا أن “مدرسة الاتحاد” لم تتوقف يوماً عن ضخ المواهب. فمن رحم هذا النادي خرجت أسماء صنعت أفراح كبار الأندية الجزائرية، وعلى رأسهم مولودية وهران. نذكر منهم الحارس الفذ سبع بشير، سباح بن يعقوب، وبن يوسف بوتخيل. هؤلاء اللاعبون هم الدليل القاطع على أن جينات الكرة في اتحاد وهران لا تموت، حتى وإن كبلتها الأزمات المالية.
“بولا” تُنصف إتحاد وهران في ذكرى المئوية
من المؤسف جداً أن تمر الذكرى المئوية لنادي بهذا الحجم وسط صمت إعلامي مريب، باستثناء جريدة “بولا” الرياضية التي ظلت وفية لخطها في مرافقة الفريق وتغطية أخباره حتى في أصعب الظروف. إن تجاهل مئوية اتحاد وهران هو تجاهل لجزء أصيل من تاريخ الحركة الرياضية والوطنية في الجزائر.
حماز. ز




