المصنفة الأولى عالميا في الجوجيتسو فادية عمراني لـ “بولا”: “من يعتلي القمة… يصبح هدفًا للجميع”
حين يمتزج الانضباط الحديدي بالشغف، وتلتقي استراتيجيات العلم الدقيق بكبرياء البساط، تولد الأساطير الرياضية التي تحفر أسماءها بمداد من الذهب في تاريخ الرياضة الجزائري؛ فادية عمراني، ابنة القفص والبساط، ونائبة بطلة العالم في الجوجيتسو والـ “MMA”، تتربع اليوم على عرش التصنيف العالمي في إنجاز غير مسبوق؛ “بولا” تفتح الدفاتر الفنية والتكتيكية للنجمة العالمية، التي تحدثت بنبرة بطلة واثقة، ومسؤولة، كاشفة عن كواليس البقاء في القمة، ومرسلة قذائف مشفرة للسلطات والوصاية لإنقاذ المواهب الخام من مقصلة “النقص الحاد” في الدعم اللوجستي.
هذا التربع التاريخي على عرش التصنيف العالمي بنقاط ثابتة يُثبت أنكِ تجاوزتِ مرحلة البروز المحلي نحو الهيمنة الدولية؛ ما الذي صنع الفارق تكتيكياً ونفسياً هذا الموسم بالذات لاعتلاء هذا الهرم؟
“بدايةً، أتوجه بخالص الشكر والتقدير لصحيفة “بولا” الموقرة على هذا الاهتمام الإعلامي الراقي والمستمر برياضة النخبة؛ فالإعلام شريك أساسي في إبراز تضحياتنا لرفع الراية الوطنية، وأحمد الله على هذا الإنجاز الذي يعتبر تتويجاً لسنوات طويلة من التضحية والانضباط؛ فتصدر التصنيف العالمي لم يكن وليد بطولة واحدة أو ومضة عابرة، بل جاء نتيجة مسار متكامل قائم على الاستمرارية في الأداء في أعلى المستويات الدولية؛ وأعتقد أن عامل النجاح الأبرز هو اشتغالي داخل بيئة احترافية تؤمن بالتطوّر المستمر، حيث نعتمد على مستوى النادي والمنتخب استراتيجية فنية وبدنية مبنية على أسس علمية دقيقة؛ فنحن نؤمن بأن الوصول إلى القمة ليس الهدف الأسمى، بل المحافظة عليها وعلى وتيرة التطور وأنت في أعلى الهرم، وهذه الفلسفة التسييرية تمنحنا الثقة لمقارعة نخبة رياضيي العالم.”
انطلاقاً من فلسفتكِ بأن “المحافظة على القمة هي التحدي الأكبر”، كيف تترجمين هذا التوجه ذهنياً وبدنياً في حصصكِ التدريبية اليومية لمواجهة أعباء هذا المركز المرعب؟
“المسؤولية تتضاعف بشكل رهيب بمجرد وجودك في المركز الأول؛ فهذا الموقع يفرض عليك أعباءً إضافية وتوقعات جماهيرية وفنية أكبر، في حين يتحول كل نزال على البساط إلى “معركة تكتيكية” بامتياز؛ لأن الجميع من منافسيكِ يصبح طامحاً لإزاحتكِ عن العرش وكسر أرقامكِ؛ لذلك، أتعامل مع كل حصة تدريبية يومية بعقلية الرياضي الذي يبدأ طريقه من الصفر، مؤمنة تماماً بأن الرياضة في مستوياتها العالية لا تعترف بأمجاد الماضي ولا بالميداليات المعلقة على الجدران، بل بما تقدمه من جاهزية وحلول في لحظة النزال الراهنة.”
ما دام أن الجميع بات يطمح لإزاحتكِ وتحولت النزالات إلى “معارك تكتيكية”، هل لمستِ فعلياً تغيراً في قراءة المنافسات لأسلوب لعبكِ داخل البساط، وكيف تواجهين حقيقة أنكِ أصبحتِ “مكشوفة” ومدروسة بدقة؟
“بكل تأكيد، وهذا واقع طبيعي ومنطقي يحدث في المستوى العالي للرياضات القتالية؛ فبمجرد تربعي على الصدارة، أصبحت كافة المنافسات والمدربين يدرسون أسلوب لعبي من خلال مقاطع الفيديو، ويفككون نقاط قوتي وضعفي وحركاتي بدقة متناهية لمحاولة شل حركتي؛ وبالنسبة لي، هذا الضغط الرهيب لا يربكني بل يمثل حافزاً جوهرياً للتطور الدائم، ففي عالم النخبة الرياضية، المصارع الذي يتوقف عن التعلم والتكيف وإدخال تكتيكات جديدة هو رياضي يوقع شهادة تراجعه وانسحابه من الساحة.”
هذه الجاهزية العالية لمواجهة تفكيك أسلوب لعبكِ لم تأتِ من فراغ، بل صقلتها الخبرة؛ بالعودة إلى هذا الشريط المرصع بالألقاب القارية والجامعية، ما هي المحطة الإستراتيجية التي تعتبرينها نقطة التحول الحقيقية في بناء هذه الشخصية الصارمة؟
“لا يمكنني حصر هذه المسيرة الطويلة في نزال واحد أو بطولة بعينها؛ فالنجاح الحقيقي في الجوجيتسو والـ “MMA” هو “مسار متراكم” من الخبرات والانكسارات والانتصارات؛ فمشاركتي المستمرة في المحافل الكبرى والاحتكاك الدائم بالمستويات اللاتينية والأوروبية هما اللذان صقلا تجربتي، ومنحاني الرزانة التكتيكية والخبرة النفسية اللازمتين للبقاء في الصدارة؛ فكل بطولة شاركت فيها، وكل ميدالية إفريقية أو برونزية عالمية وصولاً إلى فضية نيابة بطولة العالم مؤخراً، كانت لبنة أساسية وجوهرية في صرح هذا الإنجاز التاريخي.”
حديثكِ عن “المسار المتراكم” يقودنا إلى جدلية رياضية هامة؛ فالجمهور يقدس الميدالية الفورية، بينما لغة الأرقام تفضل الاستمرارية؛ برأيكِ المهني، أيهما يعكس المعدن الحقيقي للرياضي: بريق اللحظة أم ثبات الهرم؟
“الميدالية تمنحكِ لحظة فخر لا توصف، خاصة حين يعزف النشيد الوطني وتقشعر لها الأبدان وسط الجماهير وهي لحظة أتمناها لكل رياضي جزائري؛ لكن من الناحية العقلانية والمهنية التسييرية، الميدالية هي انعكاس لنتيجة إيجابية في حدث واحد ومناسبة معينة، بينما التصنيف العالمي هو “المقياس الحقيقي للثبات والاستمرارية”؛ فالتربع على رأس الهرم العالمي هو الأصعب على الإطلاق، لأنه يتطلب تفوقاً مستمراً طوال الموسم وإدارة ذكية للمستوى البدني والنفسي وليس مجرد ومضة تألق عابرة في بطولة واحدة.”
إذا كان هذا الثبات العالمي يتطلب بيئة احترافية دقيقة، فإن واقع الجوجيتسو الجزائري محلياً لا يزال يكافح لوجستياً؛ كيف ترسمين الفجوة اليوم بين حجم الطاقات الخام المتاحة وبين منظومة الدعم التي تحتاجها لصناعة أبطال عالميين؟
“الجزائر تذخر بطاقات هائلة ومواهب خام مرعبة لا تحتاج إلا لمنظومة احترافية متكاملة لتقويمها؛ نحن بحاجة ماسة إلى استقرار في البرامج الفنية، وتوفير فرص احتكاك دائمة بالمستوى العالي عبر معسكرات خارجية، وخلق بيئة محترفة تحتضن الرياضي وتفرغه تماماً للتطور البدني؛ وأنا مؤمنة بمستقبل واعد للجوجيتسو الجزائري، وإذا ما تضافرت الجهود وتوفرت الإمكانات اللازمة، والتي نعاني حالياً من نقص حاد فيها، فإن الجزائر ستكون رقماً صعباً ومعادلة عصية على الكسر في خارطة الرياضة العالمية.”
في ظل هذا النقص الحاد الذي تتحدينه بكبرياء الصدارة، ما هي خطوتكِ القادمة لترسيخ هذا المجد، وما هي الرسالة الصريحة التي توجهينها من هذا الموقع الحرج إلى الشباب والجهات الوصية؟
“المركز الأول هو بداية لمسؤولية تسييرية وأخلاقية أكبر تجاه الراية الوطنية، وهدفي الآن هو ترسيخ هذه الصدارة وتحقيق المزيد من الألقاب العالمية؛ ورسالتي للشباب هي أن يؤمنوا بجدوى العمل، الصبر، والانضباط، فلا توجد طرق مختصرة نحو المجد؛ كما أغتنم هذه الفرصة عبر “بولا” لأوجه نداءً صريحاً ومسؤولاً إلى السلطات الوصية والمتعاملين الاقتصاديين بأن يلتفتوا إلى هذه الطاقات، فدعم هذه المواهب هو استثمار حقيقي يتماشى مع توجهات الدولة الجزائرية؛ وفي الختام أتقدم بامتنان شديد للنادي الرياضي الهاوي لشباب بلوزداد، وتحية خاصة جداً لنادي “Desert Warriors” وعلى رأسهم مدربي وعائلتي الثانية؛ كما أشكر الطاقم الفني والإداري للاتحادية الجزائرية للجوجيتسو، وعلى رأسهم السيد فاسي سعيد نائب رئيس الاتحادية الذي كان سنداً حقيقياً وموجهاً برؤية تطويرية واضحة ساهمت مباشرة في تربعنا على عرش العالم.”
حاورتها: حليمة. خ





