الزليج الجزائري.. ذاكرة خزفية من قلعة بني حماد إلى اليونيسكو
تزخر الجزائر، عبر امتدادها الجغرافي وتنوعها الحضاري، بتراث معماري غنيّ يختزل قرونًا من التفاعل الثقافي والفني، ويُعد الزليج أحد أبرز تجلياته وأكثرها قدرة على البقاء كشاهد حيّ على عبقرية الحِرفي الجزائري. ففي القصور العتيقة، والمساجد التاريخية، والمباني الرسمية القديمة، وحتى في بعض البيوت التقليدية، لا يزال بلاط الزليج يحفظ أثر الأزمنة المتعاقبة، ويكشف عمق العلاقة التي نسجتها الجزائر مع محيطها الإسلامي والمتوسطي، خاصة خلال العهد العثماني وما قبله.
ورغم محاولات الطمس، والسطو الثقافي، وتغييب الأصول، ظل الزليج الجزائري محتفظًا بخصوصيته الجمالية وفرادته الفنية، كأنه صكّ أمان تاريخي يثبت في كل مرة أصالته وانتماءه. فكل قطعة خزفية، وكل لون، وكل شكل هندسي، ليس مجرد عنصر زخرفي، بل لغة بصرية كاملة، تحكي عن تفاعل الفن مع العقيدة، والهندسة مع الروح، والوظيفة مع الجمال.
وفي هذا السياق، كانت وزارة الثقافة والفنون قد أعلنت، خلال الأشهر الماضية، عن شروع الجزائر في إعداد ملف متكامل حول فن الزخرفة المعمارية – الزليج، تمهيدًا لإيداعه لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلم «اليونيسكو»، بغرض إدراجه ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، في خطوة تهدف إلى تثبيت المرجعية التاريخية لهذا الفن وحمايته من التلاشي أو التزييف.
المعاضيد… حيث وُلد الزليج الجزائري
يرى الباحث في الآثار الإسلامية، محمد الطيب عقاب، أن الحديث عن الزليج لا يمكن فصله عن الجذور الأولى للحضارة الإسلامية في الجزائر، حيث تعود البدايات الحقيقية لهذا الفن إلى القرن الحادي عشر الميلادي، وبالتحديد إلى قلعة بني حماد بولاية المسيلة، التي شكّلت آنذاك مركزًا حضاريًا وعمرانيًا بالغ الأهمية. ويشير الباحث إلى أن منطقة المعاضيد، الواقعة ضمن المجال الجغرافي لقلعة بني حماد، تمثل المهد الأول لظهور الخزفيات ذات الطلاء المعدني، وهي نماذج نادرة ارتبطت بالحضارة الحمادية، وميّزتها عن باقي التجارب المعاصرة في العالم الإسلامي.
هذه الخزفيات، التي عُثر على بقاياها في أحواض القلعة ومحيطها، تعدّ أقدم الشواهد المادية على تطور فن الزليج في الجزائر. أما من حيث التسمية، فيُرجع عقاب أصل كلمة «الزليج» إلى حرفي فخاري أندلسي يُدعى بلقاسم زليجي، هاجر إلى تونس خلال القرن السادس عشر، واستقر بمدينة نابل المشهورة بصناعة الخزف، قبل أن تنتقل التسمية وتترسخ في المغرب الأوسط والمغرب العربي عمومًا، دون أن يلغي ذلك الأسبقية الجزائرية في الممارسة الفعلية لهذا الفن.
هندسة الجمال ووظيفة الزخرفة
ويُطلق مصطلح الزليج على تلك القطع الخزفية متعددة الأشكال والألوان، التي تُصنع وفق مقاييس دقيقة، ثم تُجمع بعناية متناهية لتشكّل لوحات زخرفية متكاملة. وتُوظف هذه اللوحات أساسًا في تبليط الأرضيات، وكسوة الأجزاء السفلية للجدران، وأحيانًا الأعمدة والعقود، بل وحتى عتبات الأبواب وبدايات السلالم في بعض المنشآت الخاصة. ويعتمد الزليج الجزائري، في جوهره، على الأشكال الهندسية، التي تعكس فلسفة الفن الإسلامي القائمة على التماثل والتناظر واللانهائية البصرية. ويُعد «المربع المنجّم» من أكثر الأشكال حضورًا، حيث تُستعمل النماذج البسيطة لتبليط الأرضيات، في حين تُخصّص الأشكال المركّبة والمعقّدة لكسوة الجدران. أما الزخارف النباتية، فهي أقل انتشارًا، وغالبًا ما تُوظّف في محيط النوافير وأحواض المياه.
المقرمصات… البداية الأولى
ويؤكد عقاب أن من أقدم أشكال الزليج الجزائري ما يُعرف بـ«المقرمصات»، وهي قطع خزفية مصبوغة بطلاء معدني أخضر في جزئها الظاهر، بينما يظل الجزء المغروس في الجدار على حالته الطبيعية من الفخار. ويتكون هذا الطلاء من معادن متعددة، أبرزها النحاس، الذي يمنح اللون الأخضر الزرعي الداكن، وهو لون ارتبط بالبدايات الأولى لفن الزليج في الجزائر.
تنوع حمادي يكشف عبقرية الصناعة
وتكشف المساحات الواسعة لقصور الدولة الحمادية عن ثراء استثنائي في نماذج الزليج، من بينها المربعات الخزفية المطلية بالأزرق الكوبالتي الفاتح، والنجيمات المتعددة التي زيّنت جدران الغرف في قصور المنار وقصر البحر. ويعكس هذا التنوع، حسب الباحث، مستوى متقدمًا من الإبداع الحرفي، سواء في كسوة الجدران السفلية، أو في الربط بين السقف والعلو، أو في تبليط الأرضيات. كما عُثر في هذه القصور على قناني وبلاسم علاجية مطلية بالبريق المعدني الذهبي، وهي من أرقى الخزفيات في تلك الفترة، وتدل على تطور كيمياء الألوان وقدرة الحرفي الجزائري على التحكم في المواد والمعادن.
من تلمسان إلى قسنطينة.. مدن تصنع المجد الخزفي
يمتد حضور الزليج الجزائري إلى مدن كبرى مثل تلمسان، مستغانم، وقسنطينة، حيث بلغ هذا الفن مستويات عالية من الإتقان. ففي عاصمة الزيانيين، تطورت صناعة الزليج واحتفظت بروح الحضارة الإسلامية، كما تجلّى ذلك في المدرسة التشفينية، التي مثّلت نموذجًا راقيًا للعمارة المزخرفة قبل أن تطالها يد الاستعمار. ويشير عقاب إلى أن غياب الزليج عن بعض الفترات، مثل العهد المرابطي، لا ينفي استمراريته، بل يعكس تحولات سياسية وثقافية أثّرت على أنماط البناء والزخرفة.
الزليج.. وثيقة حضارية لا تكذب
لا يرى الباحث اختلافات إقليمية جوهرية في تقنيات صناعة الزليج الجزائري، باعتباره جزءًا من منظومة الفن الإسلامي الكبرى، التي تقوم على اللفائف الدائرية، والخطوط المنحنية، والعناصر النباتية. غير أن العهد العثماني شهد تحولات واضحة، مع دخول مربعات خزفية مستوردة من إسبانيا وجنوب إيطاليا، في دلالة على قوة الأسطول البحري الجزائري واتساع علاقاته التجارية. ويظل الزليج، في نظر عقاب، وثيقة حية تشهد على تعدد علاقات الجزائر مع محيطها الإسلامي والأوروبي، وتكشف في تفاصيلها الصغيرة تاريخًا من التبادل والتأثير المتبادل.
حين يتكلم الحرفي.. الزليج اليوم
من جانبه، يعتبر المختص في فن الزخرفة الإسلامية، أحمد بوعانم، أن الزليج الجزائري ليس مجرد بقايا ماضٍ، بل فن حيّ يعكس ثراء الثقافة الجزائرية وعمقها التاريخي. ويؤكد أن هذا الفن شهد في السنوات الأخيرة عودة قوية، مع تزايد الطلب على استخدامه في البيوت والفضاءات الخاصة. ويشرح بوعانم أن الزليج مادة خزفية تمر بعدة مراحل دقيقة، تبدأ من استخراج الطين، مرورًا بالعجن والتجفيف والحرق، وصولًا إلى الصبغ والتقطيع، في عملية تتطلب صبرًا وخبرة عالية.
ألوان تحكي التاريخ
يولي الحرفي أهمية خاصة لدلالات الألوان، خاصة في الزليج التلمساني، حيث يرمز الأزرق إلى السماء والبحر ورايات بني زيان، والأبيض إلى السلام، والبني إلى أسوار تلمسان، فيما يعكس الأسود رمزية الليل والنجوم. ويؤكد بوعانم أن إحياء حرفة الزليج لا يقتصر على البعد الجمالي، بل يمتد إلى الحفاظ على الذاكرة، ودعم الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل، داعيًا إلى تكثيف المعارض والتكوينات لحماية هذا التراث من الاندثار.
مصطفى خليفاوي




