وكيل اللاعبين فيصل عبيد لـ “بولا”: “ميركاتو كأس العالم معركة كواليس..”
تتحول بطولة كأس العالم في كل دورة من مجرد منافسة رياضية لحصد الكأس، إلى سوق عالمية مفتوحة تُطبخ في كواليسها كبرى صفقات كرة القدم؛ وحين تتدخل لغة المال والأرقام وسط ضغوط الإعلام الجماهيري، يصبح دور وكيل اللاعبين بمثابة خيط الرفيع الفاصل بين انفجار القيمة التسويقية للاعب أو تعرضه لبلوكاج ذهني يدمر مسيرته الدولية؛ جريدة “بولا” تفتح ملف “ميركاتو المونديال” في هذا الحوار الحصري مع وكيل اللاعبين فيصل عبيد، الذي يكشف لنا بكل صراحة عن كواليس إدارة ذعر الأندية خلف الستار، ويشرح استراتيجية تسيير التوقيت والموازنة بين الشروط المالية وحماية تركيز اللاعب، وصولاً إلى مستقبل هذه المهنة الإنسانية في عصر البيانات والذكاء الاصطناعي.
فيصل، نلاحظ في كل نسخة من المونديال أن لقطة واحدة، أو هدفاً إعجازياً، أو مباراة واحدة ممتازة، كفيلة بأن تقلب بورصة اللاعب رأساً على عقب وترفع سعره في الميركاتو بشكل جنوني؛ فكيف تفسرون هذا الصعود الصاروخي المفاجئ من منظور وكلاء وكشافي اللاعبين؟
“في البداية وجب توضيح قاعدة مهنية هامة؛ وهي أن الأندية الأوروبية الكبيرة والمنظمة لا تنتدب اللاعبين بناءً على تسعين دقيقة فقط أو مباراة واحدة جيدة، وإنما تخضع العملية لمتابعة دورية مستمرة على مدار موسم كامل تتضمن تحليل البيانات، والإحصائيات الصارمة، وتقارير الفيديو لجملة من اللاعبين المستهدفين ضمن بروفايلات محددة، ولكن هذا الواقع العلمي لا يمنع أبداً من القول إن منافسة بحجم كأس العالم تظل القبلة الأولى والأساسية لكشافي الأندية والمناجرة لجلب عناصر جديدة؛ ولأن المونديال هو الحدث الرياضي الأكثر مشاهدة ومتابعة على وجه الأرض، فإن تألق اللاعب فيه يجعله مباشرة محور حديث الأندية، والجماهير، ووسائل الإعلام العالمية، مما يرفع من قيمته الرياضية والتسويقية فوراً في سوق تحكمها عقلية الاستثمار المالي؛ فالارتفاع المفاجئ في السعر يكون مدفوعاً بقوة التأثير الإعلامي، وفي كثير من الأحيان لا يرتفع السعر بسبب تحسن مستوى اللاعب فجأة بين ليلة وضحاها، بل يرتفع نتيجة زيادة عدد الأندية المهتمة به وخوفها من شدة المنافسة والتفريط في موهبة واعدة، والتاريخ يحتفظ بنماذج حية مثل تألق الحاج ضيوف مع السنغال في مونديال 2002، وانفجار قيمة خاميس رودريغيز مع كولومبيا في مونديال 2014.”
حديثك عن ارتفاع الأسعار بسبب خوف الأندية من المنافسة والتفريط في اللاعب يضعنا أمام واقع تسييري مثير؛ كيف تديرون كوكلاء هذا الخوف والضغط المفاجئ من طرف الأندية المهتمة، وهل تعمدتم يوماً استغلال هذا الذعر الكروي والزخم الإعلامي لرفع سقف شروطكم المالية لصالح لاعبكم وسط البطولة؟
“دور الوكيل الذكي هنا يكمن في كيفية تسيير هذا الضغط وتوجيهه بشكل احترافي، حيث يحاول دائماً خلق حالة من التنافسية الحقيقية بين الأندية، مما يساهم تلقائياً في رفع القيمة التسويقية والمالية للاعب في سوق الانتقالات، ونحن نعتمد أحياناً على اهتمام نادٍ معين كوسيلة ضغط مشروعة على نادٍ آخر؛ ولكننا نفعل ذلك بناءً على بيانات، وأرقام، وعروض صحيحة وملموسة وليس بالاعتماد على ادعاءات خاطئة أو إشاعات لا أساس لها من الصحة، فمجرد وجود عروض جادة من أطراف متعددة يدفع العرض المالي للارتفاع التلقائي؛ وبالإضافة إلى اتصالاتنا المباشرة واليومية مع الأندية لمعرفة مدى جدية نواياها، فإننا نعمل على تفعيل دورين أساسيين؛ الأول هو حماية تركيز اللاعب بشكل كامل، والثاني هو تسيير عامل الوقت بدقة مع التأثير الذكي على السوق عبر وسائل الإعلام لزيادة شهرة اللاعب، وتحويل هذا التألق اللحظي فوق أرضية الميدان إلى قيمة تعاقدية متينة تضمن مستقبله.”
الحديث عن تسيير التوقيت وحماية اللاعب يضعنا في قلب الحدث المونديالي المعقد؛ كيف توازنون ميدانياً بين استغلال هذا التوقيت المثالي لإبرام صفقة العمر وسط البطولة، وبين حماية اللاعب من التشويش الذهني وضغط لغة الأرقام ليبقى تركيزه كاملاً مع منتخب بلاده؟
“الحقيقة أن التوازن بين تسيير الاتصالات واختيار التوقيت الأنسب للموافقة على القرار هو مسألة في غاية الصعوبة والحساسية؛ صحيح أن منافسة من حجم كأس العالم تتطلب من اللاعب تركيزاً ذهنياً مطلقاً بعيداً عن ضغوط الأندية والمناجرة، ولكن هذه البطولة تأتي دائماً في عز فترة الميركاتو، وعقل اللاعب وتفكيره ينشغلان بالطبيعة واللاوعي بمستقبله الكروي ومصيره الاحترافي، مما قد يجعله عرضة للإصابات البدنية نتيجة التشتت الذهني؛ وهنا يبرز الدور المحوري للوكيل الناجح الذي لا يبحث عن العرض المالي الأضخم فحسب، بل يفرض جداراً عازلاً حول لاعبه ليعزله تماماً عن ضجيج المفاوضات وكواليس الميركاتو ويتركه مركزاً على المستطيل الأخضر فقط، وتتحرك قاعدة التسيير لدينا على مبدأ مفاده أنه كلما زادت التفاصيل التي يعرفها اللاعب عن كواليس المفاوضات أثناء الدورة، زاد احتمال تشتيته البصري والذهني؛ لذلك لا ننتظر نهاية البطولة لبدء المفاوضات بل نديرها في الظل، مع تسيير الوقت للوصول بالصفقة إلى مرحلة الجاهزية التامة للإمضاء فور نهاية المنافسة، وهي أمور تنظيمية معقدة لا يستطيع الوكيل حسمها بمفرده دون تنسيق محكم.”
هذا التكتم الكواليسي يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية ومهنية كبرى؛ من واقع تجربتك الميدانية في إدارة الصفقات، هل سبق وأن اضطررت لاتخاذ قرار صعب بإخفاء عرض مغرٍ عن لاعبك أثناء منافسة دولية لمنعه من التشتت، أم أنك تفضل وضعه في الصورة الكاملة مهما كانت العواقب؟
“التوفيق بين دراسة العروض المتهاطلة والحفاظ على هدوء اللاعب يتطلب حلولاً سيكولوجية مبتكرة من واقع الميدان؛ وأتذكر أنه في كواليس بطولة كأس العرب 2021 وما تلاها مباشرة في بداية عام 2022، والتي تزامنت كلياً مع فترة التحويلات الشتوية، كان أحد اللاعبين الذين أدير أعمالهم حراً من كل التزام قانوني، وتهاطلت عليّ العروض الرسمية من كل حدب وصوب؛ وكنت حينها أمام حتمية الحفاظ على تركيزه المطلق في الدورة وفي نفس الوقت عدم تضييع توقيت اختيار القرار الأنسب لمستقبله، ولم يكن أمامي من حل سوى اتخاذ خطوة استراتيجية بإشراك شقيق اللاعب في المفاوضات ودراسة العروض؛ لكونه لاعباً سابقاً ويمتلك وعياً رياضياً كافياً، وهذا الإجراء سمح لنا كطاقم عمل بأخذ القرار المناسب وإدارة التفاصيل الإدارية بعيداً عن اللاعب، مما عزز ثقة هذا الأخير في حسن تسييرنا لتلك الفترة الحرجة، وجعله يبقي ذهنه منصباً على أرضية الملعب طيلة الدورة، وقد كان هذا الحل واحداً من أنجح الخيارات الميدانية التي اعتمدتُ عليها.”
ختاماً فيصل، في ظل التغول الرهيب للغة الأرقام الصارمة، ودخول قواعد البيانات والذكاء الاصطناعي بقوة في إدارة الرياضة الحديثة؛ هل تعتقد أن مهنة وكيل اللاعبين ستبقى صامدة ومعتمدة على العلاقات الإنسانية، والتفاوض السيكولوجي، أم أن الآلات ستقود الميركاتو مستقبلاً وتلغي دوركم؟
“من المؤكد والواضح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ولغة البيانات الضخمة غيرا كثيراً من آليات وطبيعة عمل وكلاء اللاعبين في الوقت الراهن؛ حيث أصبحنا نعتمد على قواعد بيانات تشمل آلاف الأسماء، ونماذج متطورة لتقييم الأداء الرقمي، وأدوات تكنولوجية دقيقة لاكتشاف المواهب الشابة، لكن كل هذه الثورة الرقمية تبقى قاصرة وغير كافية لإتمام صفقة ناجحة؛ فالروابط الإنسانية والعلاقات المهنية المبنية على الثقة ما زالت وستبقى تلعب الدور الأكبر والحاسم في تحديد مستقبل اللاعبين، والذكاء الاصطناعي برغم عبقريته عاجز تماماً عن معرفة الجانب السيكولوجي للاعب، ومدى قدرته على تحمل الضغط الجماهيري في فريقه الجديد، أو مدى قابليته للتأقلم السريع مع نمط العيش في بلد آخر؛ لذلك لا أرى أبداً أن دور الوكيل البشري سينتهي أو يختفي مستقبلاً بل سيتغير ويتطور، فاللاعب والنادي سيبقيان دائماً بحاجة إلى وكيل يمتلك لغة حوار دافئة للتفاوض، وبناء جسور الثقة بين الأطراف، وشرح أبعاد المشروع الرياضي بدقة؛ ومن هذا المنطلق أؤكد أن مستقبل الوكيل الناجح سيكون حكراً على من يمتلك القدرة الفنية على قراءة الأرقام والبيانات من جهة، ويمتلك الذكاء العاطفي لحسن تسيير العلاقات الإنسانية من جهة أخرى.”
حاورته: حليمة. خ




