تحقيقات وروبورتاجات

نادي “النجم الرياضي قايس” … مخطط علمي لصناعة أبطال النخبة

في مدينة قايس العريقة، وبين أحضان ولاية خنشلة، لم يعد الحديث عن ألعاب القوى مجرد هواية عابرة أو مشاركات موسمية، بل تحول منذ عام 2019 إلى قضية تكوينية مقدسة يقودها نادي “النجم الرياضي لألعاب القوى قايس”، الذي وضع لبنته الأولى السيد نبيل كنانة رفقة نخبة من الغيورين على “أم الألعاب” ، هذا النادي الذي ولد من رحم الرغبة في التغيير، استطاع في ظرف وجيز أن يتحول من مجرد جمعية محلية تنشط في إطار الرابطة الولائية بخنشلة إلى قوة رياضية يحسب لها ألف حساب على الصعيد الوطني والدولي.

متبنيا فلسفة فريدة ترفض حصر النجاح في بريق الميداليات الجافة، لتجعل من الرياضة مشروعا إنسانيا متكاملا يستهدف استخراج مكنونات الطفل البدنية والنفسية عبر الحركات الطبيعية للإنسان من جري ووثب ورمي ومشي ، وفي هذا الروبورتاج المطول، نغوص في أعماق هذا المشروع الذي يراهن على صناعة “إنسان ناجح” قبل “بطل متوج”، مستندين إلى الحقائق الميدانية والمنهجية العلمية التي يطبقها النادي في صمت وثبات.

منهجية الانتقاء العلمي.. خارطة طريق تبدأ من الطفولة المبكرة

يؤكد رئيس النادي والمسؤول التقني السيد نبيل كنانة أن بناء قاعدة العدائين داخل النجم الرياضي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة انضباط شديد واعتماد مراحل دقيقة في الانتقاء ، تبدأ بـ “مرحلة انتقاء الرياضي” التي تستهدف الأطفال في الفئة العمرية ما بين 6 إلى 8 سنوات ، حيث يسعى المربي في هذه المرحلة إلى جذب اهتمام الناشئين والموهوبين من خلال اختبارات الملاحظة التربوية والمسابقات التجريبية والفحوص النفسية والطبية والبيولوجية المعمقة للتعرف على معدلات نموهم البدني والمهاري ، لتنتقل الموهبة بعدها إلى “مرحلة الفحص المتعمق” بعد فترة تدريبية تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر.

حيث يتم تسجيل الناشئين في المدرسة التكوينية لبدء التخصص في نشاط رياضي محدد يخضع لنفس معايير الانتقاء المبدئية ، ثم تأتي مرحلة “التوجيه الرياضي” الحساسة التي تشمل الناشئين من عمر 12 إلى 15 سنة، وتعتمد على دراسة مستديمة طويلة الأمد لتحديد التخصص الفردي النهائي في فعاليات ألعاب القوى المختلفة ، وصولا إلى “مرحلة انتقاء رياضيي النخبة” للشباب بين 15 إلى 18 سنة، وهي المرحلة التي تهدف إلى تقديم العناصر الجاهزة للمنتخبات الوطنية ممن تتوفر فيهم المواصفات العقلية والنفسية والبدنية العالية .

وهذا المسار الطويل يتلخص في ثلاث محطات جوهرية هي الانتقاء المبدئي لتحديد الحالة الصحية، ثم الانتقاء الخاص لتوجيه الرياضي لنوع النشاط المناسب لإمكانياته بعد عام من التدريب، وصولا إلى الانتقاء التأهيلي الذي يركز على تنمية الاستعدادات الخاصة وتحقيق المستويات العالية مع قياس الجانب الاجتماعي والشجاعة في اتخاذ القرار.

فلسفة العدو الريفي.. صراع الإرادة ضد الطبيعة ونقص الإمكانيات

في سباقات العدو الريفي التي تمثل جوهر الصبر والتحمل، يعتمد نادي قايس على فلسفة تقنية وتربوية صارمة تستخدم الاختبارات التعليمية والميدانية للياقة البدنية، والمؤشرات المرفوفسيولوجية لضمان الانتقاء المبكر للمتفوقين ، وحسب الربان نبيل كنانة، فإن النادي يضطر للاعتماد على الملاحظة الذاتية خلال المسابقات لانتقاء الأطفال، في ظل غياب بطارية اختبار موحدة لانتقاء المتفوقين في ألعاب القوى على المستوى الوطني .

وهذا العمل الجبار يصطدم غالبا بتحديات مناخية قاسية وإصابات بدنية ونقص فادح في الإمكانيات، إلا أن النجم الرياضي يواجه هذه العقبات باستراتيجيات مرنة تعتمد على الصبر وتكييف التدريبات وحماية العدائين من خلال التشخيص الدقيق للإصابات مثل الالتهابات المتكررة أو التعب المزمن وتوفير الراحة المطولة .

حيث يشدد المشرف الفني على رفع منسوب الإرادة لدى الرياضيين لتجاوز صعوبة أرضية الميدان ورداءة المسالك، معتبرين أن المشاركات الجهوية هي محطة تقييمية جوهرية وخطوة ضمن مسار أطول لتحديد الأهداف واتباع آليات قياس فعالة تضمن السير في الاتجاه الصحيح ، فالهدف ليس مجرد الفوز بل التأكد من فاعلية العمل التدريبي وتصحيح الأخطاء التي قد تحد من تحقيق النتائج المستقبلية المخطط لها بدقة.

تكامل الأدوار الثلاثية.. الطاقم الفني والمسيرون والأولياء ككتلة واحدة

يعتبر نجاح مشروع “نجم قايس” ثمرة منظومة متكاملة الأدوار، حيث يتوزع العمل بوضوح بين الطاقم الفني الذي يتولى مهام التطوير المهاري والتحفيز النفسي وتحليل الأداء ، وبين المسيرين الذين يقع على عاتقهم وضع الاستراتيجيات وإدارة الميزانية والمنشآت وضمان سلامة المرافق ، وصولا إلى الدور المحوري لأولياء الأمور الذين يمثلون السند المعنوي واللوجستي من خلال الالتزام بمواعيد التدريب والتغذية السليمة والتواصل الإيجابي مع الإدارة دون التدخل في الجوانب الفنية ، هذا التنسيق يتم عبر اجتماعات دورية وقنوات تواصل دائمة تضمن بيئة صحية توازن بين التطور الرياضي والتربوي.

مع اعتماد سياسات حماية صارمة للطفل مثل مراقبة السلوكيات العامة وتوفير قنوات للتغذية الراجعة ، فالهدف المنشود هو ضمان تكوين متكامل والتكفل بالمواهب الشابة بدقة متناهية ، وهو ما جعل الرؤية المستقبلية للنادي تتجه نحو التحول إلى أكاديمية رائدة لتكوين المواهب الشابة من خلال مشروع “بطلة وبطل” لتمثيل الجزائر في المحافل الدولية ، وهذا الطموح يتطلب بالضرورة تطوير البنية التحتية وتوفير ملعب تخصصي لألعاب القوى بمدينة قايس لضمان تحضير رياضي عالي المستوى، فالمعركة القادمة هي معركة استمرارية الاستثمار في الأجيال الناشئة لتحقيق إنجازات مستدامة وطنيا ودوليا وتجاوز تهميش الطاقات الشابة.

رسائل الإصرار ودعوة لحماية الإرث الرياضي بقايس

في ختام هذا الروبورتاج، يبعث نادي النجم الرياضي لألعاب القوى قايس رسالة قوية لكل المتدخلين، مؤكدا أن ألعاب القوى هي مدرسة للحياة وصناعة للأبطال ، داعيا الرياضيين الصغار للتحلي بالانضباط والعمل الدؤوب وروح اللعب النظيف ، ومطالبا العائلات بأن يظلوا السند الأول في اكتشاف وتوجيه شغف أبنائهم ، كما يوجه نبيل كنانة نداء ملحا للسلطات المحلية والجهات المعنية بضرورة توفير ملعب ألعاب قوى ومرافق تدريب لائقة لحماية هذا الإرث الرياضي وضمان استمراريته تكريما لرجال النادي وتاريخه .

فالهدف النهائي يتجاوز حدود المضمار ليصل إلى إعادة الاعتبار للرياضة المحلية والمساهمة في بناء جيل رياضي يمثل منطقة قايس وخنشلة بامتياز في المحافل الوطنية والدولية ، ضمن إطار السياسة الوطنية للدولة الجزائرية في مجال الرياضة التي تسمح بوضع شبكة مترابطة ومتكاملة تخدم المصلحة العليا للوطن وتضمن مستقبلا مشرقا لكل موهبة ناشئة تضع قدمها على خط الانطلاق في نادي النجم الرياضي.

حليمة. خ

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى