الأولىحوارات

محمد ساحلي… المدرب الذي كوّن أغلب نجوم المنتخب النمساوي الحالي  يكشف تفاصيل طريقة لعب النمسا في حوار حصري لبولا : “بين رانغنيك و بيتكوفيتش ستكون مواجهة إدارة إيقاع و مساحات”

في حوار حصري لجريدة بولا يفتح المدرب التونسي النمساوي محمد ساحلي، وأحد العارفين بخبايا الكرة الأوروبية عامة والنمساوية خاصة أبواب التحليل العميق لمواجهة مرتقبة تجمع المنتخبين الجزائري والنمساوي في نهائيات كأس العالم. ساحلي، الذي أشرف على تكوين عدد من نجوم المنتخب النمساوي الحالي، يقدّم قراءة دقيقة لهذا الصدام الكروي، متوقفًا عند الجوانب التكتيكية، وأسلوب اللعب، وأبرز الأسماء المرشحة لصنع الفارق.

كما يتطرق إلى واقع المنتخب الجزائري تحت قيادة بيتكوفيتش، ويستحضر في سياق خاص صدى مباراة خيخون الشهيرة، قبل أن يرسم ملامح مواجهة يرى أنها ستُحسم بجزئيات صغيرة وتفاصيل دقيقة… يذكر أن المدرب محمد ساحلي كان أول مدرب عربي قد أشرف على المنتخبات السنية الأوروبية، عندما قاد العارضة الفنية لمنتخب النمسا لأقل من فئة 17 و19 سنة، كما أشرف على نادي فولسبورغر النمساوي وقاده إلى الدور السادس عشر من منافسة الدوري الأوروبي كأول مدرب عربي يحقق هذا الإنجاز…

أنت أحد أبرز العارفين بالمنتخبين النمساوي والجزائري كيف ترى هذه المواجهة بينهما في المونديال؟ 

“أعتقد أنها ستكون من أقوى مباريات هذه المجموعة، لأننا نتحدث عن منتخبين عندهما شخصية واضحة، النمسا منتخب منظم، قوي في النسق والضغط، والجزائر منتخب يملك جودة فنية كبيرة وخبرة قادرة على صنع الفارق، لذلك أتوقع مباراة فيها صراع تكتيكي وذهني كبير، وتفاصيل صغيرة قد تصنع الفارق في هذا اللقاء الكبير.”

دربت عديد نجوم المنتخب الحاليين، من تراه أخطر عنصر في المنتخب النمساوي؟

“قوة المنتخب النمساوي ليست في لاعب واحد فقط، بل في المنظومة ككل، لكن إذا تحدثنا عن الأسماء القادرة على صنع الفارق، فأرى أن سابيتزر، باومغارتنر، وأيضًا أرناوتوفيتش يملكون هذا التأثير، سواء في الحسم أو في فرض الإيقاع أو في استغلال أنصاف الفرص..”

من هم اللاعبين الذين أشرفت على تدريبهم ويلعبون اليوم في المنتخب الأول؟

“بالنسبة للاعبين الذين أشرفت على تدريبهم ويُمثلون اليوم المنتخب الأول، يمكنني القول إن هذه التجربة تُعد من أكثر الجوانب التي أفتخر بها في مسيرتي. لقد عملت مع مجموعة من اللاعبين الذين نجحوا في الوصول إلى أعلى مستوى، حيث ينشط عدد معتبر منهم حاليًا مع المنتخب النمساوي الأول، ومعظمهم يُعد من الركائز الأساسية. هؤلاء اللاعبون يملكون تأثيرًا واضحًا في المباريات.

كما أن الكثير منهم بنى مسيرة احترافية مميزة في أوروبا، ومن بين أبرز الأسماء التي درّبتها: ألكسندر براس الذي ينشط في هوفنهايم،  كزافير شلاغر ونيكولاس سايفالد مع لايبزيغ، جونيور أدامو في سيلتيك، باستيان سيدل مع رابيد فيينا، كريستوف باومغارتنر في لايبزيغ،  رومانو شميد مع فيردر بريمن، وألكسندر شلاغر. هذه الأسماء تمثل ثمرة عمل طويل في التكوين، ومن الجميل اليوم أن أراهم يتألقون في أعلى مستوى ويساهمون في نجاح المنتخب النمساوي.”

كيف تتوقع أن تكون طريقة لعب المنتخب النمساوي في المونديال؟

“أتوقع منتخبًا نمساويًا وفيًا جدًا لهوية رالف رانغنيك، الذي يعتبر واحد من أبرز رواد مدرسة الضغط، وهذه الفكرة تظهر بوضوح في شخصية النمسا الحالية: ضغط عالٍ، رغبة في افتكاك الكرة مبكرًا، انتقال سريع بعد الاسترجاع، وكثافة كبيرة في اللعب بدون كرة. هذا المنتخب لا يحب الإيقاع البطيء، ولا يفضّل أن يمنح الخصم وقتًا طويلًا للتنظيم؛ بالعكس، هو يحاول دفع المباراة نحو نسق سريع ومجهِد، ثم الاستفادة من المساحات التي يخلقها الضغط. وحتى في يورو 2024 ظهرت هذه الروح بوضوح عندما تصدرت النمسا مجموعة صعبة وضمت فرنسا وهولندا وبولندا، وهذا يبيّن أن الفكرة ليست نظرية بل سلوكًا جماعيًا واضحًا داخل المنتخب.”

 مدرب منتخب النمسا رالف رانغنيك معروف بطريقة لعب عن طريق الضغط العالي واللعب السريع، وهي نفس خصائص بيتكوفيتش تقريباً، كيف تتوقع المنافسة التكتيكية بين المدربين؟

“سيكون صراعًا تكتيكيًا قوي أكثر من كونه صراعًا مفتوحًا رانغنيك بطبيعته يريد أن يرفع الإيقاع، أن يختصر المسافات، وأن يجعل الخصم يلعب تحت ضغط مستمر. في المقابل، بيتكوفيتش منذ وصوله أعاد للجزائر شيئًا مهمًا جدًا، وهو التوازن: توازن بين اللعب المباشر واللعب المنظم، بين الشخصية الهجومية والانضباط الجماعي. لذلك أتصور أن مفتاح المباراة سيكون في سؤال واحد: من سيفرض على الآخر المكان الذي تُلعب فيه المباراة؟ إذا نجحت النمسا في جعل الجزائر تلعب دائمًا تحت الضغط الأول والثاني، فسيكون ذلك أفضلية لها. أما إذا نجحت الجزائر في كسر الموجة الأولى من الضغط والخروج بجودة من الخلف أو عبر المحطة الثانية، فالمباراة ستتغيّر لأن النمسا تترك أحيانًا مساحات عندما تدفع بخطوطها للأمام. لهذا أرى أن المواجهة بين المدربين ستكون مواجهة إدارة إيقاع ومساحات أكثر من مجرد مواجهة أسماء.”

كيف ترى مستوى المنتخب الجزائري حالياً؟

“أرى أن المنتخب الجزائري يعيش مرحلة استقرار، حتى لو ما زالت هناك بعض الجوانب التي تحتاج إلى تثبيت قبل المونديال. بيتكوفيتش قاد المنتخب إلى التأهل للمونديال، كما قاده أيضًا إلى التأهل لكأس أمم أفريقيا 2025، ووفق الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، فقد حقق 15 فوزًا في أول 20 مباراة له مع الجزائر، وهذا رقم مهم لأنه يعكس وجود قاعدة عمل واضحة واستعادة للثقة بعد مرحلة كانت فيها النتائج متذبذبة. ما يعجبني في الجزائر حاليًا هو أنها استعادت جزءًا من شخصيتها الجماعية، وأصبحت أكثر هدوءًا في إدارة المباريات، وأكثر قدرة على الجمع بين الجودة الفردية والانضباط. لكن في المقابل، المونديال يطلب ثباتًا أكبر أمام المنتخبات التي تضغط بقوة وتستغل التفاصيل الصغيرة، لذلك أقول إن الجزائر تبدو في وضع جيد، لكن عليها أن تصل إلى جوان بأعلى مستوى من التماسك الذهني والبدني”.

من هو أكثر لاعب تتوقع تألقه في المونديال سواء من المنتخب الجزائري أو النمساوي؟ 

“من الجانب الجزائري، من الصعب تجاوز اسم رياض محرز عندما نتحدث عن لاعب يملك الخبرة والقدرة على الحسم في المواعيد الكبرى، لكنني أرى أيضًا أن محمد عمورة يملك المقومات ليكون أحد الأسماء التي قد تصنع الفارق، لأنه يقدم تهديدًا مختلفًا: السرعة، العمق، والقدرة على ضرب المساحات. ومن الجانب النمساوي، أرى أن مارسيل سابيتزر مرشح دائم للتألق لأنه لاعب لحظات كبيرة، يجمع بين العمل والفعالية، بينما يبقى باومغارتنر لاعبًا مهمًا جدًا في المباريات التي تحتاج ذكاءً في التحرك بين الخطوط. لذلك إذا سألتني عن الأسماء الأقدر على ترك بصمة، فسأقول: محرز بخبرته، عمورة بديناميكيته، سابيتزر وباومغارتنر بقدرتهما على التأثير في أكثر من طور من أطوار اللعب.”

 بما أنك مقيم في النمسا و قريب من جماهير كرة القدم هناك.. بعد القرعة، هل استذكر النمساويون قصة مباراة خيخون الشهيرة من مونديال 1982؟

“من الطبيعي أن يعود هذا النقاش عند الجماهير ووسائل الإعلام كلما التقى المنتخبان في كأس العالم. لكن في المقابل، هناك نقطة مهمة: حتى رالف رانغنيك نفسه قال بوضوح إن المباراة ستكون خاصة، لكن ليس بسبب 1982، وأضاف أن لاعبيه الحاليين لم يكونوا قد وُلدوا أصلًا في ذلك الوقت. وأنا شخصيًا أرى أن هذا هو المدخل الصحيح: التاريخ موجود ويُحترم، لكنه لا يجب أن يُحمَّل لهذا الجيل. نحن اليوم أمام لاعبين مختلفين، سياق مختلف، وكرة قدم مختلفة. لذلك نعم، الذاكرة حضرت إعلاميًا، لكن داخل التحليل الرياضي الجاد يجب أن يبقى التركيز على الحاضر.”

كم تتوقع نتيجة المباراة بين النمسا والجزائر؟ 

“مباراة قوية جدًا، فيها جانب بدني كبير، لكن أيضًا فيها الجانب ذهني وتكتيكي مهم جدًا. النمسا ستدخل على الأرجح بنيّة فرض نسقها واللعب بعدوانية منظمة، بينما الجزائر ستحاول أن تُظهر نضجها في التعامل مع الضغط وأن تستفيد من جودة لاعبيها في التحول والخروج من المواقف الصعبة. بالنسبة لي، هذه ليست مباراة تُقرأ بمنطق من الأقوى على الورق، بل بمنطق من يدير اللحظات بشكل أفضل: فترة الضغط، لحظة التحرر من الضغط، لحظة الكرة الثانية، واللمسة الأخيرة. لهذا أتوقع مواجهة متقاربة جدًا، مفتوحة على أكثر من سيناريو، وسيكون الفارق الحقيقي فيها هو الشخصية، التركيز، والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الأوقات الحاسمة…”

شكرا جزيلا وبالتوفيق لك

“شكرا لكم، سلامي للجماهير الجزائرية…”

حاوره: مصطفى خليفاوي 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى