أنيس بن شعبان (وكيل لاعبين): “الإحتراف في الجزائر يحتاج إلى ثورة في الذهنيات”
لأن “بولا” عودتكم على الغوص في أعماق القضايا الشائكة، كان لنا هذا النقاش المطول والمفصل مع الوكيل المعتمد أنيس بن شعبان، الذي لم يتردد في كسر جدار الصمت، متحدثاً بجرأة نادرة عن الفارق بين الوكيل المكون والسمسار الدخيل، وكاشفاً عن الأسباب النفسية والتقنية التي تجعل اللاعب الجزائري يسقط في “فخ” الغرور بمجرد عبوره الضفة الأخرى، في حوار يشرّح واقعاً مريراً ويضع النقاط على الحروف في “بيزنس” الصفقات الملغم.
بداية أنيس ، أنت وكيل معتمد رسمياً من طرف “الفيفا”، ماذا يعني هذا الاعتماد من الناحية القانونية والعملية في ظل القوانين الصارمة الجديدة، وما هو الفارق الحقيقي بينك وبين من ينشطون في كواليس الانتقالات دون أي ترخيص؟
“هذا الاعتماد ليس مجرد ورقة للتباهي، بل هو الصفة القانونية الوحيدة والشرعية التي تسمح لأي شخص، منذ دخول تعديلات الفيفا حيز التنفيذ في أكتوبر 2023، بالتدخل في أي عملية تفاوض رسمية تخص انتقال لاعب أو مدرب، فمن دون هذا الاعتماد لا يمكنك قانوناً مراسلة الأندية أو الاتحادات أو صياغة عقود العمل، وهو في الأصل إجراء تنظيمي استعجالي اعتمدته الفيفا للحد من الفوضى العارمة التي ضربت السوق منذ عام 2015 حين سُمح بما يسمى “الوسطاء” دون قيود، والحقيقة التي يجب أن يعرفها الجمهور عبر “بولا” هي أن الفرق بيننا وبين غير المرخصين هو فرق جوهري وتأسيسي، فهؤلاء الدخلاء الذين يملأون الساحة في الجزائر يمكن وصفهم بـ “السماسرة” أو “خضارين” في سوق الكرة، يمارسون المهنة بأسلوب “تجاري” بحت لا يختلف عن بيع الخضر والفواكه، حيث يفتقدون لأبسط أخلاقيات المهنة والقوانين المنظمة، وهم في الواقع من أفسدوا المنظومة وتسببوا في تضخيم الأجور وضياع حقوق الكثير من اللاعبين والنوادي بسبب ممارساتهم غير القانونية التي تفتقر للحس المهني.”
انطلاقاً من وصفك للسوق بـ “الفوضوي”، وأنت الذي تتنقل باستمرار بين الجزائر ومختلف الدوريات العالمية، ما هو الفارق الجوهري الذي تلمسه في عقلية المسير الجزائري عند التفاوض مقارنة بنظيره في الخارج؟
“الفرق يكمن في “فقه القوانين” والاحترافية في التسيير الإداري، ففي الجزائر للأسف تجد قلة قليلة جداً ممن يمتلكون الثقافة القانونية والرياضية اللازمة لإدارة صفقة، بينما الغالبية الساحقة يسيرون بناءً على العاطفة أو ما يتم تداوله في “السوشيال ميديا”، والمشكلة الكبرى عندنا هي منح “صلاحيات التسيير” والماناجمنت للاعبين سابقين لم يتلقوا أي تكوين علمي أو أكاديمي في الإدارة الرياضية، فأن تكون لاعباً كبيراً لا يعني بالضرورة أنك مسير ناجح، والنتيجة هي غياب الكفاءة واعتماد أسلوب “المحسوبية” في الصفقات، حيث تجد المسير يفضل التعامل مع “صديقه” أو “زميله القديم” بدل التعامل مع وكيل معتمد يفرض عليه احترام القوانين، وهذا النقص الفادح في التكوين هو ما جعل مسيرينا لا يعرفون كيف يسوقون اللاعب المحلي ولا كيف يحمون حقوق أنديتهم عند بيع العقود، مما يضيع على الكرة الجزائرية مبالغ ضخمة وفرصاً لتطوير المنظومة الكروية.”
بما أننا نتحدث عن غياب الكفاءة في التسويق، ما هو في نظرك أكثر خطأ تكتيكي أو ذهني يقع فيه اللاعب الجزائري عندما يخوض أول تجربة احتراف له خارج حدود الوطن؟
“الخطأ القاتل الذي يقع فيه اللاعب المحلي هو “الغرور المبكر” والشعور بالوصول إلى القمة (حق روحه) بمجرد إمضائه للعقد، فاللاعب في الجزائر حين ينتقل للخارج ويجد نفسه يتقاضى راتباً يعادل 20 أو 30 ضعف ما كان يجنيه هنا، يدخل في دوامة “البرستيج” الزائف، فيبدأ بالظهور المبالغ فيه في المقاهي الفاخرة وينشغل بصور “الستوري” في السوشيال ميديا ليثبت للناس أنه أصبح نجماً، وهذا هو السقوط المدوي بعينه، فبدل أن يضع رجليه في الماء (كما نقول بالعامية) ويركز على العمل والاندماج، يغرق في حياة البهرجة، وللأسف معظم لاعبينا يفشلون في أوروبا لأن العقلية الجزائرية تفتقد لصبر المحترفين، فالاحتراف هو “مهمة انتحارية” من أجل النجاح وليس نزهة لجمع المال والتباهي، وقليلون هم من فهموا أن النجاح في الخارج يتطلب انضباطاً حديدياً وتضحية بكل المغريات، وهو ما يفتقده اللاعب الذي لم يتكون قاعدياً على أسس الاحتراف الحقيقي.”
هذا النقص في التكوين يجرنا للحديث عن حماية اللاعب، هل تعتقد أن سوق الانتقالات في الجزائر اليوم منظم بما يكفي لحماية حقوق اللاعب مادياً وقانونياً، أم أن “المساحات الرمادية” لا تزال قائمة؟
“هناك مجهودات محمودة من طرف الاتحادية الجزائرية والسلطات لتنظيم هذه الفوضى، لكن الواقع يؤكد أن الفوضى القديمة كانت عميقة جداً ولا يمكن استئصالها بين عشية وضحاها، والمشكلة ليست في القوانين والتشريع الجزائري الذي يحمي فعلاً حقوق اللاعبين والمدربين، بل المشكلة في “جهل” اللاعبين بحقوقهم وواجباتهم، فاللاعب الذي يخرج من المنظومة الكروية الجزائرية لا يعرف كيف يتصرف مع الصحافة، ولا يعرف بنود عقده بالتفصيل، ولا يعرف كيف يحمي صورته وتسويق نفسه، مما يجعله عرضة للاستغلال في تلك “المساحات الرمادية” التي يصنعها الدخلاء، فاللاعب الجزائري يحتاج إلى “تأطير” شامل وليس فقط إلى عقد عمل.”
هل الوكيل الناجح في هذا العالم الملغم هو من يطارد أكبر عمولة مادية ممكنة، أم من يستثمر في بناء مسار طويل الأمد للاعب؟
“دعنا نكون صريحين وواقعيين بعيداً عن الشعارات، الرزق على الله والعمولة جزء من المهنة، لكن رؤيتي الشخصية تختلف قليلاً، فأنا لا أؤمن كثيراً بمصطلح “المسار الطويل الأمد” مع اللاعب في بيئة تفتقد للثقة الكاملة، فاللاعب إنسان متقلب وقد يتخلى عن وكيله بعد سنوات من العمل بمجرد إغراء بسيط، لذا أنا أعتمد في طريقتي على “البروكرادج” أو الوساطة الفعالة بين الأندية واللاعبين بناءً على الطلب والاحتياج، فالنجاح بالنسبة لي هو تحقيق صفقات ذات جودة عالية (High Quality) وتأثير كبير (High Impact) تجعل اسمي يتردد في الأسواق العالمية كوكيل موثوق يوفر “البروفايلات” المطلوبة باحترافية، فالسمعة الطيبة التي تبنيها مع الأندية الكبرى أهم بكثير من الجري وراء لاعب قد لا يقدر قيمة العمل الذي تقوم به، والوكيل الذكي هو من يجعل من اسمه علامة تجارية تضمن للأندية واللاعبين تحقيق أفضل الصفقات بأسرع وقت وأقل مشاكل قانونية.”
في الختام، وفي ظل نظام الفيفا الجديد والامتحان الإلكتروني، هل تشعر أن المهنة أصبحت أكثر شفافية وعدلاً، أم أن التحايل لا يزال يجد ثغراته؟
“الحقيقة أن الفيفا ارتكبت خطأً بفتح باب الحصول على الرخصة “أونلاين” لأنها أصبحت متاحة للجميع، لكن ما يجب أن يعرفه القارئ هو أن الرخصة (اللايسنس) وحدها لا تعني أنك وكيل ناجح، فالأهم في هذا العالم هو “النيتورك” أو شبكة العلاقات الدولية المتشعبة، فما فائدة مهندس أو تقني نجح في الامتحان وحصل على الرخصة وهو لا يملك أي تواصل مع الأندية في إفريقيا أو أوروبا ولا يملك المصداقية في الميدان؟ الوكيل الحقيقي هو من يملك الثقة التي تُبنى عبر سنوات من الصدق والعمل الميداني الشاق، والإحصائيات الرسمية للفيفا تؤكد ذلك؛ فهناك 11 ألف وكيل معتمد عالمياً لكن 2000 فقط هم من يشتغلون فعلياً ويدخلون في صفقات رسمية.”
حاورته: حليمة. خ



