اعتراف عالمي بالكسكس الجزائري…
شكّل إدراج الكسكس ومهارات تحضيره ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، في ديسمبر 2020، محطة مفصلية في مسار هذا الموروث الغذائي العريق. فالقرار لم يكن مجرد اعتراف بطبق تقليدي، بقدر ما كان إقرارًا دوليًا بقيمة ثقافية واجتماعية متجذّرة، وبممارسات متوارثة ارتبطت بحياة الناس اليومية، وبأنماط عيش تشكّلت عبر قرون داخل المجتمع الجزائري.
هذا التصنيف أعاد تسليط الضوء على الكسكس، ليس فقط بوصفه عنصرًا غذائيًا، بل باعتباره منظومة ثقافية متكاملة، تشمل طرق التحضير، والطقوس الاجتماعية، والمعارف المرتبطة بزراعة الحبوب وتحويلها، والعلاقات الإنسانية التي تنسج حول “القصعة”. غير أن هذا الاعتراف، على أهميته، فتح في الوقت ذاته نقاشًا أوسع حول سبل حماية هذا التراث من مخاطر الاختزال والتسليع، في عالم بات يميل إلى استهلاك الرموز الثقافية بسرعة، وتجريدها من سياقها الأصلي.
الاعتراف الدولي… بداية مرحلة جديدة
لم يكن إدراج الكسكس ضمن التراث غير المادي حدثًا معزولًا، بل ثمرة مسار طويل من البحث والتوثيق والعمل الثقافي. فقد أعاد هذا الاعتراف طرح أسئلة جوهرية حول كيفية الانتقال من مرحلة الاحتفاء الرمزي إلى مرحلة الفعل الثقافي الممنهج، القادر على حماية الموروث وضمان استمراريته. فالتصنيف، في حد ذاته، لا يحمي التراث تلقائيًا، ما لم يُرافق بسياسات ثقافية واعية، وبرامج تربوية وإعلامية تُعيد ربط الأجيال الجديدة بمعنى الكسكس، لا بشكلِه فقط. إذ إن الخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان الطبق، بل في فقدان الطقس، والذاكرة، والدور الاجتماعي الذي كان يؤديه داخل الأسرة والمجتمع.
المهرجانات الثقافية كأداة للتثمين
في هذا السياق، برزت المهرجانات الثقافية المتخصصة كأحد أهم آليات التثمين والحفاظ على التراث. ويُعدّ المهرجان الدولي للكسكس، الذي تحتضنه مدينة تيميمون منذ سنة 2018، نموذجًا دالًا على هذا التوجه. فقد تحوّل المهرجان، عبر دوراته المتعاقبة، إلى فضاء مفتوح يجمع بين البعد الاحتفالي والبعد العلمي، وبين التذوق والبحث، وبين الممارسة الشعبية والنقاش الأكاديمي. وفي طبعته الثامنة، التي اختُتمت بعد أربعة أيام من الفعاليات، شهدت تيميمون حركية ثقافية لافتة، حيث تحولت المدينة إلى ملتقى للطهاة والباحثين والخبراء، تحت شعار “طبق التلاقي، ذاكرة وإبداع”.
هذا الشعار لم يكن اختيارًا عابرًا، بل عكس الرؤية التي يحملها المهرجان، باعتبار الكسكس نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والابتكار. تميّزت فعاليات المهرجان بتنوعها، إذ لم تقتصر على العروض والاحتفالات، بل شملت محاضرات علمية حول تاريخ الكسكس في الجزائر، وجلسات نقاش تناولت أبعاده الاجتماعية والثقافية، إلى جانب تنظيم جلسات تذوق لمختلف أنواعه التقليدية المنتشرة عبر ولايات الوطن.
وقد حظيت الخصوصيات المحلية باهتمام خاص، على غرار كسكس “السراير” الذي تشتهر به تيميمون، ما سمح بإبراز العلاقة الوثيقة بين الطبق وبيئته، وبين الموروث الغذائي والخصوصيات الجغرافية والثقافية لكل منطقة. كما شهد المهرجان تكريم الطهاة والباحثين والخبراء، بحضور جمهور واسع والسلطات المحلية، في مشهد يعكس المكانة التي يحتلها الكسكس في الوجدان الجماعي.
الكسكس خارج الحدود…
لم يتوقف حضور الكسكس الجزائري عند الإطار المحلي أو الوطني، بل امتد إلى التظاهرات الدولية، حيث سجل إشعاعًا لافتًا في مسابقات ومهرجانات عالمية للتذوق وفنون الطهي. وقد حصد جوائز مرموقة، واحتل مراتب متقدمة ضمن تصنيفات أشهر الأطباق في العالم، وفق تقارير ومؤشرات دولية متخصصة في فنون الطبخ. هذا الحضور لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم تاريخي وثقافي طويل، ساهمت فيه الممارسة اليومية، والذاكرة الجماعية، والبحث العلمي، إلى جانب جهود الطهاة والباحثين الذين عملوا على توثيق هذا التراث والتعريف به خارج حدوده الجغرافية.
ورغم هذا الإشعاع، يبقى التحدي الحقيقي هو كيفية الحفاظ على روح الكسكس ومعناه. فمع تنامي الاهتمام العالمي، تبرز مخاطر تحويله إلى منتج استهلاكي معولم، يُقدَّم خارج سياقه الثقافي، ويُفرغ من طقسه الاجتماعي، ليصبح مجرد وصفة سريعة أو علامة تجارية. إن الحفاظ على الكسكس لا يتحقق بالشعارات ولا بالتصنيفات فقط، بل بالممارسة اليومية داخل البيوت، وبنقله للأجيال الجديدة بوصفه فعلًا جماعيًا، وبإدماجه في السياسات الثقافية والتعليمية، وبربط المهرجانات بالبحث العلمي، لا بالاستهلاك السياحي وحده. وبين قصعة الأم، وذاكرة الجدة، وفضاءات البحث والمهرجانات، يظل الكسكس حاضرًا، شاهدًا على قدرة المجتمع الجزائري على صيانة عناصر هويته عبر الثقافة.
فهو تراث لا يفرض نفسه بالقوة، بل يستمر لأنه متجذر في الحياة اليومية، ولأنه مرتبط بقيم المشاركة واللمّة والعمل الجماعي. وهكذا، فإن مسار الكسكس، من الاعتراف العالمي إلى المهرجانات الثقافية، لا يُختزل في حدث أو مناسبة، بل هو مسار مفتوح، يعكس علاقة مجتمع بذاكرته، وقدرته على تحويل الموروث إلى عنصر حيّ، يتجدّد دون أن يفقد معناه، ويقاوم النسيان بالفعل الثقافي، لا بالحنين وحده.
يوسف زكريا




