أمل الحراش … قلعةٌ تربوية لصناعة أبطال “الفوفينام”
في قلب مدينة الحراش، هذه المدينة التي يفوح منها عبق التاريخ الرياضي الجزائري الأصيل، برز منذ عام 2013 صرح رياضي متميز يحمل اسماً على مسمى، وهو “نادي أمل الحراش للفوفينام فيات فوداو”، الذي لم يكن مجرد جمعية رياضية عادية تضاف إلى السجل المحلي، بل جاء تجسيداً لرغبة صادقة وقوية من القائمين عليه في خلق فضاء رياضي منظم يساهم في بناء الإنسان قبل البطل، حيث تتبنى هذه القلعة الرياضية بقيادة رئيسها السيد سفيان تاينسة فلسفة قتالية مستمدة من روح رياضة “الفوفينام” التي تزاوج بذكاء بين القوة البدنية والسمو الأخلاقي، ومنذ اللبنة الأولى لتأسيسه قبل أكثر من عقد من الزمن، وضع النادي نصب عينيه تطوير هذه الرياضة وفنون القتال في الجزائر، مع التركيز بشكل جوهري ومكثف على الفئات الشبانية والنسوية، إيماناً من رئيس النادي وطاقمه بأن الرياضة هي الحصن المنيع الذي يحمي الشباب من سموم الآفات الاجتماعية.
والوسيلة الأرقى لغرس قيم الانضباط، الاحترام، والعمل الجماعي داخل النسيج المجتمعي لمدينة الحراش، ليكون النادي بمثابة الأمل الحقيقي لكل موهبة تطمح للتميز والتمثيل المشرف للراية الوطنية في المحافل الكبرى. وتقوم فلسفة العمل داخل نادي أمل الحراش، تحت الإشراف المباشر للسيد سفيان تاينسة، على مبدأ ذهبي لا يقبل المساومة وهو أن “التكوين يسبق المنافسة”، حيث يرى القائمون على النادي أن بناء الرياضي أخلاقياً وتقنياً هو حجر الزاوية والقاعدة الأساسية قبل الركض وراء النتائج الفورية أو الألقاب العابرة التي قد لا تستند إلى أساس متين، فالتدريبات داخل قاعات النادي لا تقتصر على تلقين الحركات القتالية الفنية فحسب، بل تمتد لتشمل الجانب التربوي والروح الرياضية العالية.
من خلال التركيز الصارم على الانضباط، الاحترام المتبادل بين الرياضيين بجميع رتبهم، والعمل التدريجي الذي يراعي القدرات الفيزيولوجية والفردية لكل منخرط، كما يحرص النادي على المشاركة الدائمة في مختلف المنافسات الجهوية والوطنية لا من أجل حصد المعدن النفيس فقط، بل من أجل اكتساب الخبرة الميدانية والاحتكاك بمستويات تقنية مختلفة، وهو ما يساهم في بناء شخصية رياضية متوازنة قادرة على تحمل المسؤولية داخل وخارج الميدان، وتمثيل ألوان “أمل الحراش” بروح رياضية مشرفة تعكس قيم هذه المدينة وتاريخها الرياضي المرصع بالتضحيات.
عندما تتحول الصالة الرياضية إلى مدرسة للأخلاق
إن التأطير داخل هذا النادي العريق يسير وفق رؤية شاملة ومنهج متكامل يجمع ببراعة بين التقنية والتربية، حيث يبدأ العمل مع الرياضي من نقطة الصفر عبر غرس ثقافة احترام القانون الداخلي للنظام الرياضي، إيماناً من السيد سفيان تاينسة بأن الشخصية المنضبطة هي الأساس المتين لأي نجاح رياضي أو اجتماعي مستقبلي، ويشرف على هذا المسار التكويني الشاق طاقم تقني مؤهل وعلى قدر كبير من الكفاءة، يتقدمه الأستاذ المساعد حمزة لوناس، الذي يسهر رفقة مجموعة من المدربين الأكفاء على تطوير المهارات البدنية والتقنية للمصارعين بشكل تصاعدي ومدروس، مع متابعة دقيقة ومستمرة لكل رياضي حسب تطوره الشخصي، فهدف النادي ليس صناعة آلات للقتال العنيف، بل تكوين رياضيين واعين سلوكياً وقويين تقنياً.
حيث لا يقاس النجاح الحقيقي هنا بعدد الميداليات المحرزة في الخزائن فحسب، بل بمدى نجاح النادي في غرس شخصيات ناجحة وفاعلة ومسؤولة في المجتمع الجزائري، تحمل مشعل الروح الجماعية وتقبل الفوز بكل تواضع والخسارة بكل روح رياضية. ويولي تاينسة، رئيس نادي أمل الحراش، أهمية قصوى للفئات الشبانية والناشئة، باعتبارها الخزان البشري الاستراتيجي والركيزة الأساسية التي تضمن استمرارية هذا المشروع الرياضي وتطوره عبر الأجيال، فالاستثمار الحقيقي في نظر إدارة النادي يكون في القاعدة العريضة، ولذلك يتم العمل على تكوين جيل جديد من الرياضيين منذ سن مبكرة جداً وفق برامج تدريبية علمية ومدروسة بعناية تراعي الجوانب النفسية والبدنية للطفل.
أما بخصوص عملية اكتشاف المواهب، فيعتمد النادي على استراتيجية المتابعة الميدانية الدقيقة وفتح أبواب الانتقاء بشكل دوري ومجاني، مما يعطي الفرصة لكل طفل أو شاب من أحياء الحراش يملك الرغبة في التعلم دون أي إقصاء أو تهميش، ليتم بعدها صقل هذه المواهب ومرافقتها خطوة بخطوة عبر إدماجها في برامج تكوين مستمرة تهدف لتحويل الموهبة الفطرية الخام إلى احترافية تقنية عالية، قادرة على المنافسة الشريفة على أعلى المستويات وتشريف الألوان الوطنية في المستقبل القريب.
إستراتيجية التنقيب عن أبطال الغد في أحياء الحراش
ورغم الإرادة الفولاذية والعمل الجاد الذي يقوم به السيد سفيان وطاقمه، لا يخلو مسار نادي أمل الحراش من صعوبات وتحديات ميدانية كبيرة تعيق أحياناً وتيرة العمل وتطلعات الشباب، حيث يواجه النادي محدودية واضحة في الإمكانيات المادية واللوجستية، بالإضافة إلى نقص في بعض المرافق والتجهيزات التقنية الضرورية التي تعتبر حيوية لتطوير مستوى الرياضيين لمواكبة المعايير الدولية، كما تشكل تكاليف التنقل للمشاركة في المنافسات الوطنية عبئاً إضافياً كبيراً، خاصة بالنسبة للفئات الشبانية التي تحتاج للاحتكاك المستمر لصقل موهبتها، ومع ذلك، يسعى النادي لتجاوز هذه العقبات بروح الفريق الواحد والتضامن الكبير بين الطاقم الإداري والتقني.
وبدعم معنوي لامتناهٍ من الأولياء والأنصار الذين يؤمنون برسالة السيد سفيان تاينسة، فالعمل التطوعي والبحث الدائم عن شراكات وداعمين جدد هو السبيل الوحيد لضمان استمرارية التكوين، مؤمنين بأن الإرادة والصدق في العمل كفيلان بتحويل كل عائق مادي إلى حافز قوي لمواصلة البناء والتطوير والوصول إلى القمة.
إرادة فولاذية لتجاوز التحديات المادية
وبالحديث عن المستقبل، تلوح في الأفق بوادر تفاؤل كبيرة وطموح لا يحده سقف، خاصة في ظل العمل القاعدي الرصين الذي يتم القيام به حالياً بإشراف تاينسة، حيث يطمح النادي على المدى القريب إلى تعزيز استقراره المالي والتقني وتطوير مستوى الرياضيين لتحقيق مشاركات وطنية أكثر تميزاً، أما على المدى المتوسط، فإن الطموح يتجه نحو جعل نادي أمل الحراش مدرسة رياضية رائدة ومعروفة على مستوى القطر الوطني بجودة التكوين والاحترافية العالية في التنظيم، لتكون مصنعاً حقيقياً للأبطال الذين يرفعون راية الجزائر في المحافل الدولية الكبرى، فالمشروع بالنسبة للسيد سفيان تاينسة ليس مجرد نادٍ رياضي عابر، بل هو استثمار طويل الأمد في الإنسان وخدمة وطنية للشباب والرياضة في منطقة الحراش التاريخية، ليكون هذا النادي نموذجاً يُقتدى به في التكوين الرياضي الجاد الذي يضع مصلحة الوطن والناشئة فوق كل اعتبار، مواصلاً مسيرته بكل ثبات نحو كتابة فصول جديدة من التألق والإبداع بأسماء شابة ستحمل المشعل غداً. وفي ختام هذا الروبورتاج الشامل، يحرص السيد سفيان تاينسة.
بصفته رئيساً لنادي أمل الحراش، على توجيه رسالة تقدير وعرفان لكل من ساند هذا الصرح، حيث يتقدم بخالص عبارات الشكر والامتنان إلى وزارة الشباب والرياضة، وإلى مديرية الشباب والرياضة والترفيه لولاية الجزائر، وإلى بلدية الحراش على مرافقتهم المستمرة، كما يخص بالذكر والشكر الاتحادية الجزائرية لرياضة الفوفينام فيات فوداو وعلى رأسها السيد الأستاذ محمد جواج، لما يبذله من مجهودات جبارة في سبيل ترقية هذه الرياضة وتطويرها وطنياً ودولياً، والشكر موصول أيضاً للرابطة الجزائرية لذات الرياضة وعلى رأسها السيد حسام مزاري.
وإلى كل المؤطرين وعلى رأسهم الأستاذ المساعد حمزة لوناس وكافة المدربين الذين يسهرون بكل إخلاص وتفانٍ على تكوين الأجيال، ولا يفوت تاينسة الإشادة بالدور الإعلامي الهام والاحترافي لجريدة “بولا”، والجهود المبذولة في الميدان لخدمة الرياضة الجزائرية.
حليمة. خ



