متفرقات

مجموعة قصصية من الواقع …فنجان قهوة مع كثير من الندم!!

يداه ترتجفان.. فنجان القهوة لا يكاد يصل فمه.. قطرات تتساقط على قميصه وأخرى يرتشفها بصعوبة وكأنما أصبح هدفه في هذه الحياة خلال هذه الدقائق المعدودات أن تلتمس شفتاه حافة الفنجان فقط. أومأ رأسه وقد استجمع قواه ليتحكم في رجفة يده. أخيرا تذوق قطرات من تلك القهوة التي أصبحت بعد مرضه صعبة المنال.

لم يكن، وهو مقعد، قادر على أن يطلب من أولاده مساعدته حتى على شرب القهوة، فابنته تخرج باكرا قبل أن يستيقظ، تكتفي بأن ترمقه بنظرات كلها شفقة وكأنما هذا أقصى ما تستطيع فعله له، ثم تخرج وقد اضمحل اسمه من بالها فور تعديها عتبة باب المنزل. له ابن لا يستيقظ باكرا و لا يستيقظ أبدا.. هو لا يحبذ جو النهار وشمسه التي تعكر صفوه.

ينهض متثاقلا مساءا يجر أذيال اليأس و الملل، جسدا بلا روح.. يغسل وجهه في محاولة أخيرة ليستفيق من غيبوبة تتلاشى نهائيا مع أول رشفة لسيجارة مطوية داخل جيبه نسيها أمس وهو يرمي بجسده على فراش قتل فيه كل آماله وأحلامه. في طريقه ليخرج من البيت، يتصل بصديقه معلنا وفاءه منقطع النظير له وللمقهى المجاور، حيث يستباح هناك قتل الوقت وبوحشية دون عقاب. خرج من ذلك الباب وهو منهمك في تلك المكالمة التي لا تنتهي حتى يلتقيان، فلا يرى أبوه ولا يلمح وجوده حتى.

فنجان القهوة قارب على الانتهاء، قطرات قليلة تبقت فقط، سيبذل المزيد من الجهد لتناولها، ارتشافها أصبح سهلا الآن.. ليست بساخنة ولا الفنجان ممتلئا، ومع ذلك فقد اتسخت ملابسه بنقط توزعت هنا وهناك..

هو يحب الجلوس على كرسي في الشرفة ليتحسس بوجهه نسمات الصباح العليلة و يرقب المارة عله يندمج في قصة ما على قارعة الطريق تنسيه مرضه قليلا وهذا العجز.. يستطيع الوقوف لحسن حظه فقط للقيام بحاجياته البيولوجية أو للمشي من غرفة نومه إلى الشرفة التي أصبحت ملاذه الآمن من خذلان العالم الذي يعيشه.

أكمل فنجان القهوة أخيرا.. يريد وضعه على الطاولة أمامه، يداه ترتجفان و تخونانه مجددا، حاول و نجح.. ثم نظر إلى سرواله وقميصه، زادت رجفة يده: “يا ربي ما الذي سأفعله الآن؟؟”. كرر الجملة مرات متتالية و هو يحاول مسح الآثار العميقة التي خلفتها قطرات القهوة على ثيابه.. الرجفة هذه المرة لم تكن بسبب المرض بل بسبب خوف دفين من زوجته، يطفو للسطح كلما قام بفعلة تغضبها..

زوجته كانت الكائن الوحيد الذي يعيش معه طيلة نهاره ويومه، انحصرت مهماتها اتجاهه في صنع القهوة له صباحا ثم الوجبات التي تليها من غذاء وعشاء وما بينهما فنجان شاي بالنعناع. لم تكن تضيف على هذه المهام حبة خرذل وكأنما وقّعت على عقد عمل تدفع في بنوده غرامة كبيرة إذا ما سولت لها نفسها إضافة خدمة هنا أو هناك لزوجها المريض.

غضبها كان آخر همه، الرجفة من الخوف تعدت لحظات الغضب الهستيرية لزوجة منهكة نفسيا.. لكن ما جعله يرتجف حقا هو..

يتبع..

تأليف: سعاد أحمد

رسم: غالم سليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى