الكوشيكي .. أكاديمية شباب تسالة المرجة … حين تصنع الرياضة الإنسان قبل البطل
في تلك الأحياء الشعبية التي تبحث فيها الطاقات الشبانية عن متنفس حقيقي يوجّه بوصلتها بعيداً عن مخاطر الشارع، تولد المشاريع الكبيرة. ومن قلب بلدية تسالة المرجة، انطلقت قصة “أكاديمية شباب تسالة المرجة”، وهي ليست مجرد نادٍ رياضي يُضاف إلى قائمة طويلة من الجمعيات، بل مشروع حضاري وتربوي متكامل، جاء كصرخة واعية في وجه الفراغ، وكحصن منيع يحتضن النشء ويوجّه طاقاتهم نحو فن “الكوشيكي”، ذلك الفن القتالي النبيل الذي يزاوج بين هيبة القوة وسموّ الأخلاق. اليوم، تقف هذه الأكاديمية كشاهد حيّ على أن الرياضة الحقيقية لا تصنع الأبطال فحسب، بل تبني الإنسان أولاً، وتغرس فيه قيماً تتجاوز حدود البساط لترافقه في كل دروب الحياة.
من رحم الحاجة الإجتماعية وُلدت الفكرة
لم يكن ميلاد أكاديمية شباب تسالة المرجة وليد صدفة عابرة، أو رغبة في ملء سجلات الجمعيات الرياضية فقط، بل جاء كاستجابة مباشرة وضرورية لحاجة اجتماعية ملحّة كانت تفرض نفسها على المنطقة، يشرح رئيس الأكاديمية ورئيس النادي، السيد سيدعلي مهداوي، خلفيات هذا التأسيس بنبرة تملؤها الغيرة على شباب منطقته، مؤكداً أن المشروع انطلق من قراءة واقعية ودقيقة لوضع الشباب والنشء في تسالة المرجة، حيث لاحظ القائمون على المبادرة أن الطاقات الكبيرة والذكاء الفطري لدى هؤلاء الصغار تقابلها قلة صارخة في الفضاءات المؤطرة والمرافق القادرة على استيعاب هذا الشغف، مما يجعل الشارع في كثير من الأحيان البديل الوحيد والملاذ المتاح، بكل ما يحمله من مخاطر وآفات.
هذا الواقع دفع بمجموعة من الغيورين، وعلى رأسهم مهداوي، إلى التفكير الجدي في إنشاء فضاء منظم، آمن، وقادر على احتواء هؤلاء الأطفال، وتوجيه بوصلة طاقاتهم نحو مسار إيجابي، يوازن بين صرامة القوة ورقي الانضباط، ويضيف مهداوي أن الرهان منذ اليوم الأول لم يكن رهان نتائج آنية أو ألقاب عابرة، بل كان رهاناً استراتيجياً طويل المدى على الإنسان في حد ذاته، ومن هنا تم اختيار فن الكوشيكي ليكون العمود الفقري لهذا المشروع، لكونه رياضة تجمع بعبقرية بين الصرامة التقنية والبعد الأخلاقي العميق، وتمنح المتدرب أدوات التحكم في انفعالات النفس، قبل التفكير في التحكم في الخصم، فالفلسفة التي يتبناها مهداوي تقوم على أن الرياضة الحقيقية هي تلك التي تترك أثراً مستداماً في سلوك الفرد وتعامله مع محيطه الخارجي، وليس فقط في الأرقام المسجلة بلوائح المنافسات.
الكوشيكي: فلسفة قوة لا تنفصل عن سمو الأخلاق
رغم أن رياضة الكوشيكي لا تزال تخوض معركة الانتشار الإعلامي والجماهيري في الجزائر، إلا أنها وجدت في تربة تسالة المرجة أرضية خصبة للنمو والازدهار، ويوضح المكلف بالإعلام والعلاقات العامة للأكاديمية، السيد خالد الدراز، أن هذا الفن القتالي يتميز عن غيره بكونه مدرسة متكاملة في الانضباط الذاتي، فالكوشيكي كما يراها الدراز تعتمد في جوهرها على معادلة دقيقة تجمع بين القوة والذكاء والدقة في الأداء، مع احترام صارم للقوانين التي تنبذ العنف العبثي أو الرغبة في الأذى، وهي الصورة النمطية التي غالباً ما تلتصق بالرياضات القتالية في أذهان الكثيرين. ويشير الدراز، بصفته المسؤول عن التواصل، إلى أن الأكاديمية بذلت مجهودات مضاعفة للتعريف بالكوشيكي بصورتها الحقيقية والنبيلة، كرياضة آمنة بامتياز، فاستخدام التجهيزات الوقائية المتطورة التي تغطي المناطق الحساسة يقلل من خطر الإصابات إلى مستويات دنيا، مما جعلها الرياضة المثالية للأطفال الذين يبحثون عن تحديات بدنية، دون تعريض سلامتهم للخطر، هذا الجانب التقني لم يكن مجرد تفصيل رياضي، بل كان مفتاحاً أساسياً لكسب ثقة الأولياء، الذين وجدوا في الأكاديمية فضاءً تربوياً بديلاً، يجمع بانسجام بين التدريب البدني الشاق والتكوين السلوكي الرصين، مما ساهم في تبديد المخاوف التقليدية من الرياضات العنيفة.
منهج تكويني دقيق..
داخل قاعة التدريب التابعة لأكاديمية شباب تسالة المرجة، يدرك الزائر منذ الوهلة الأولى أنه لا مكان للارتجال أو العشوائية في العمل، فالأكاديمية تعتمد على منهج تكويني علمي واضح المعالم، يشرف عليه طاقم تقني مؤهل، يتقدمه الأستاذ رشيد بوناصري، الذي يُعد أحد الركائز الفنية لهذا المشروع، ويتم تقسيم العمل وفق برامج تدريبية متدرجة، تراعي بدقة الفئات العمرية والقدرات البدنية، وحتى الجوانب النفسية لكل متدرب على حدة. تنطلق عملية التكوين من محطة الإعداد البدني العام، مروراً بتعليم الأساسيات التقنية التي تشكل هوية رياضي الكوشيكي، وصولاً إلى المراحل المتقدمة التي تتناول الجوانب التكتيكية المعقدة وكيفية إدارة النزالات، ويؤكد السيد سيدعلي مهداوي أن هذا التدرج لا يهدف فقط إلى صناعة بطل رياضي جاهز لاعتلاء منصات التتويج، بل يطمح بالأساس إلى تكوين شخصية متوازنة، تدرك جيداً معنى الصبر في مواجهة الصعاب، والالتزام بالمواعيد والعهود، والقدرة على العمل ضمن روح الفريق الواحد، ولهذا السبب يتم إدماج الجانب التربوي كحصة أساسية ضمن البرامج التدريبية، ليصبح الانضباط في السلوك، وطريقة الكلام، واحترام الهندام الرياضي، وطاعة المدربين، جزءاً لا يتجزأ من الهوية اليومية لكل من ينتمي لهذه الأكاديمية. تقوم الفلسفة العميقة لأكاديمية شباب تسالة المرجة على مبدأ أخلاقي راسخ، مفاده أن الرياضة دون قيم تفقد معناها ومغزاها الاجتماعي، هذا المبدأ ليس مجرد شعار معلق على الجدران، بل يترجمه الإشراف المباشر واليومي لرئيس الأكاديمية على ترسيخ ثقافة الانضباط بكل أبعادها، ففي الأكاديمية يتم التعامل مع الطفل أو الشاب كإنسان في طور البناء والتشكيل، وليس مجرد رقم في قائمة المنخرطين أو وسيلة لتحقيق فوز رياضي. وقد صُمم النظام الداخلي للأكاديمية ليوازن بذكاء بين الصرامة الإيجابية التي تفرض احترام القوانين، والتحفيز المعنوي الذي يزرع الثقة في نفوس المتدربين، فالالتزام بتوقيت الحصص التدريبية، واحترام التعليمات الفنية، والتحلي بروح الاحترام المتبادل بين الزملاء، خطوط حمراء لا يُسمح بتجاوزها، والهدف الأسمى حسب القائمين على هذا المشروع التربوي، هو إعداد جيل جزائري واعٍ ومسؤول، يكون قادراً على تمثيل أكاديمية تسالة المرجة والراية الوطنية بصورة مشرفة، سواء فوق بساط المنافسات أو في تفاصيل حياته اليومية كمواطن صالح ومنتج.
الأكاديمية والأسرة.. نحو شراكة تربوية متكاملة
من أبرز المكاسب الاجتماعية التي حققتها أكاديمية شباب تسالة المرجة، ذلك التطور الملحوظ في علاقتها بالمحيط العائلي لسكان المنطقة، إذ يشير رئيس الأكاديمية بكثير من الفخر إلى أن الأولياء انتقلوا من مرحلة التخوف الطبيعي والتحفظ تجاه الفنون القتالية، إلى مرحلة الثقة والدعم الكامل لمشروع الأكاديمية، هذا التحول لم يأتِ بالكلمات، بل تجسد بعد أن لمست العائلات تغيراً إيجابياً واضحاً في سلوك أبنائهم اليومي، من حيث الانضباط، واحترام الوقت، وتعزيز الثقة بالنفس. هذا التفاعل الإيجابي حوّل الأكاديمية من مجرد نادٍ رياضي إلى شريك تربوي حقيقي للأسرة في عملية التنشئة، وأصبح التسجيل في صفوف الأكاديمية خياراً واعياً ومدروساً لدى العديد من العائلات الباحثة عن فضاء يحمي أبناءها من آفات الانحراف، ويمنحهم بديلاً صحياً ورياضياً يساهم في بناء مستقبلهم بشكل سوي.
من صمت القاعة إلى صخب المنافسة
رغم حداثة عهدها في الساحة الرياضية، بدأت أكاديمية شباب تسالة المرجة تجني ثمار ذلك العمل القاعدي الصامت والمضني، فقد سجل رياضيو الأكاديمية حضوراً لافتاً في مختلف البطولات الولائية والرسمية، خاصة في فئتي البراعم والأشبال، اللتين تُعدان الخزان الحقيقي للمستقبل، هذا التميز لم يأتِ من فراغ، بل كان انعكاساً لجودة التكوين المعتمد والإصرار على بلوغ مراتب النخبة. ويرى خالد الدراز في قراءته لهذه النتائج، أن قيمة هذه المشاركات لا تُختزل فقط في عدد الميداليات الملونة التي تزين خزائن النادي، بل تكمن أساساً في قيمة الاحتكاك التنافسي، الذي يصقل شخصية الرياضي، ويمنحه الخبرة الميدانية اللازمة، ويبني لديه تلك الثقة بالنفس التي تمكنه من مواجهة الجمهور والحكام والخصوم بشجاعة وثبات، ففلسفة الأكاديمية تعتبر المنافسة محطة تعليمية كبرى، لا غاية نهائية، حيث يتم تدريب الأطفال على قبول الفوز بتواضع، وتجرع الخسارة بروح رياضية، واعتبارهما معاً جزءاً ضرورياً من مسار التكوين الطويل.
تحديات الواقع وإرادة الإستمرارية رغم الصعاب
ورغم هذا المسار الإيجابي، لا يخفي القائمون على الأكاديمية حجم التحديات التي تواجههم ميدانياً، وعلى رأسها نقص الإمكانيات المادية واللوجستية، وصعوبة توفير التجهيزات الخاصة برياضة الكوشيكي التي تتطلب معايير سلامة عالية، كما يُضاف إلى ذلك ضعف التغطية الإعلامية، التي لا تزال تظلم هذه الرياضة وتحرمها من التواجد القوي في المشهد الرياضي الوطني، مما يضع عبئاً إضافياً على عاتق الإدارة للقيام بمهام التعريف والترويج بإمكانيات ذاتية. غير أن هذا الواقع الصعب لم يُثنِ عزيمة القائمين على المشروع، بل زادهم إصراراً على مواصلة الطريق، فالدعم المعنوي من الأولياء، ورؤية الأطفال وهم يرتدون زيهم الرياضي بفخر، شكل دائماً الدافع الأكبر لمواصلة العمل وتطوير الأداء، ويؤكد خالد الدراز أن التحدي الأكبر يبقى في مواصلة التعريف بهذه الرياضة، وإبراز بعدها التربوي العميق، لاستقطاب دعم أوسع من المؤسسات والهيئات الرياضية.
رؤية المستقبل.. من المحلي إلى الوطني والدولي
أما عن الآفاق المستقبلية، فإن طموحات أكاديمية شباب تسالة المرجة تبدو واضحة المعالم، يؤكد رئيس الأكاديمية السيد سيدعلي مهداوي، أن الأهداف المسطرة تبدأ بتوسيع قاعدة الممارسين في المنطقة، مروراً بتحسين ظروف التدريب وتوفير الوسائل التقنية الحديثة، وصولاً إلى الهدف الأسمى المتمثل في تكوين أبطال قادرين على تمثيل الجزائر في المحافل الوطنية والدولية بكل جدارة. وتسعى الأكاديمية إلى التحول إلى قطب تكويني مرجعي في رياضة الكوشيكي، يكون نموذجاً في الجمع بين الرياضة والتربية، ويختم مهداوي حديثه بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية ستبقى دائماً حماية الشباب من الانحراف، وجعل الرياضة أسلوب حياة، وبناء جيل متسلح بالأخلاق والقوة والانضباط، ليكون ذخراً حقيقياً للوطن، في تسالة المرجة لا يصنعون الأبطال فقط، بل يبنون الإنسان الذي سيحمل مشعل المستقبل بثبات.
حليمة .خ



