تحقيقات وروبورتاجات

أكاديمية “خطوة” الرياضية …مختبر “صناعة النجوم” بروح تربوية وعقول علمية

لم تعد كرة القدم في عصرنا الراهن مجرد لعبة تمارس بعفوية فوق البساط الأخضر، بل تحولت إلى علم قائم بذاته يتطلب دقة في التخطيط وصرامة في التنفيذ، وفي ظل هذا التحول العالمي تبرز أكاديمية “خطوة” الرياضية لكرة القدم كمنارة طموحة ترفض السير في ركاب العشوائية، حيث اختارت منذ اللحظة الأولى أن تقدم نفسها كمشروع تكويني متكامل لا يهدف فقط إلى تخريج لاعبين مهرة، بل يطمح لبناء الفرد الناجح في المجتمع وصناعة لاعب كرة قدم حديث يمتلك ناصية المهارة الفنية والوعي التكتيكي والإعداد البدني السليم، مدعوما بشخصية قوية سوية وتربية قيمية راسخة، لتنطلق رؤية الأكاديمية من إيمان عميق بأن التكوين الكروي ليس مجرد تعليم لتقنيات اللعب، بل هو مسار تربوي شاق وطويل الأمد يضع الناشئ في قلب العملية التطويرية.

ويعمل على صقل موهبته إنسانيا ورياضيا في آن واحد، عبر اعتماد مناهج تدريب علمية حديثة وأطر تقنية مؤهلة وبيئة تدريبية آمنة ومحفزة، تسعى من خلالها الأكاديمية كدور أساسي إلى توسيع قاعدة الممارسين لاكتشاف المواهب في سن مبكرة، وتوفير تكوين مرحلي منظم يراعي كافة الخصائص النفسية والذهنية والبدنية لكل فئة عمرية، لتكون “الخطوة” بذلك هي الخطوة الأولى والراسخة في مسار إنسان طموح وقيمة مضافة حقيقية للمجتمع وللرياضة الجزائرية بصفة عامة.

هندسة التكوين القاعدي.. من الطفولة المبكرة إلى صناعة القرار التكتيكي

تستهدف أكاديمية “خطوة” في استراتيجيتها الميدانية فئات عمرية تبدأ من مرحلة الطفولة المبكرة جدا، أي من سن الأربع والخمس سنوات، وصولا إلى مرحلة الناشئين وفئة الأصاغر، وذلك انطلاقا من قناعة فنية راسخة بأن التكوين الصحيح والجذري يجب أن يبدأ في سن مبكرة ويبنى بشكل تدريجي ومتوازن بعيدا عن حرق المراحل، حيث تقسم الفئات داخل الأكاديمية وفق المراحل العمرية المعتمدة بما يضمن ملاءمة المحتوى التدريبي لقدرات كل فئة وحاجاتها البدنية والنفسية والذهنية، معتمدة في ذلك على منهج تكويني متدرج ومتكامل يضع التكوين القاعدي في صلب المشروع باعتباره القاعدة الصلبة لبناء لاعب تنافسي على المدى المتوسط والبعيد، حيث يرتكز هذا المنهج على محاور أساسية متداخلة تبدأ بالتكوين التقني الصرف الذي يستهدف إتقان المهارات الأساسية من تحكم في الكرة وتمرير دقيق ومراوغة وتسديد.

وذلك من خلال وضعيات لعب وتمارين تحاكي واقع المباريات الحقيقي لتجنب السقوط في فخ التمارين الجافة، لينتقل العمل بعد ذلك إلى التكوين التكتيكي الذي يستهدف تطوير الفهم الجماعي للعب وقراءة المواقف واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، مع الحرص على الانتقال التدريجي من اللعب الحر الذي يمنح الموهبة مساحة للإبداع إلى التنظيم الخططي والالتزام بالمراكز، يرافقه إعداد بدني مدروس ينمي القدرات الحركية والبدنية وفق الخصائص العمرية، مع التركيز في المراحل الأولى على التناسق والمرونة ثم القوة والسرعة بشكل تدريجي، وصولا إلى التكوين الذهني والتربوي الذي يبني شخصية اللاعب ويجعله قادرا على تحمل أعباء المباريات الكبرى ومواجهة الخصوم بذكاء وهدوء.

الحماية الطبية والإعداد البدني.. ميثاق سلامة يسبق لغة الأرقام والنتائج

يحظى الجانب البدني والطبي بأهمية قصوى داخل برنامج العمل اليومي في أكاديمية “خطوة”، وذلك لارتباطه المباشر والحيوي بسلامة اللاعبين في سن النمو وضمان تطورهم بشكل صحي ومتوازن بعيدا عن شبح الإصابات المزمنة، حيث تنطلق الأكاديمية من مبدأ فقهي رياضي مفاده أن حماية اللاعب وتأمينه صحيا تسبق تطوير مستواه الفني، لذلك يتم التعامل مع الأحمال البدنية والجانب الطبي كجزء لا يتجزأ من المشروع التكويني الكلي وليس كمجرد عنصر مكمل أو ثانوي، وهذا يتجسد ميدانيا من خلال اعتماد برامج تدريب ملائمة لكل فئة عمرية على حدة، تراعي بذكاء مراحل النمو الفسيولوجي وتتفادى الأحمال المفرطة التي قد تسبب “الاحتراق الرياضي” أو التخصص المبكر الذي يقتل المواهب.

حيث يتم التركيز في المراحل الأولى من الجانب البدني على الصفات “النفسو حركية” كالتناسق الحركي والمرونة والتوازن والرشاقة، مع إدمج تمارين وقائية تخصصية داخل كل حصة تدريبية للحد من الإصابات الشائعة لدى الصغار، والحرص على الرفع التدريجي والمدروس لشدة الأحمال مع التقدم في العمر والتطور البدني الطبيعي للاعب، مدعوما بإجراء فحوصات طبية أولية ومتابعة دورية دقيقة للحالة الصحية العامة، مما يوفر بيئة تدريبية آمنة تمنح الأولياء الطمأنينة الكاملة على أبنائهم وتسمح للمدربين باستخراج أفضل ما لدى المواهب دون خوف من التبعات الجسدية المنهكة.

بناء الشخصية السوية.. المقاربة التربوية كحجر زاوية في صناعة “البطل

تؤمن أكاديمية “خطوة” إيمانا لا يتزعزع بأن صقل شخصية اللاعب هو محور أساسي لا يقل أهمية عن التكوين التقني والبدني، بل هو المحرك الحقيقي لكل تلك المهارات، انطلاقا من قناعة تربوية بأن اللاعب الناجح هو قبل كل شيء شخص سوي متوازن ومنضبط سلوكيا داخل الميدان وخارجه، لذلك تعمل الأكاديمية على تكوينه وفق مقاربة تربوية واضحة المعالم، تقوم أولا على ترسيخ قيم الانضباط والمسؤولية عبر احترام القوانين والمواعيد والالتزامات الجماعية، وتعويد اللاعب على تحمل مسؤولية سلوكه وأدائه الفردي.

مع غرس ثقافة العمل الدؤوب والاجتهاد الشخصي بدل الركون إلى الاتكالية أو الموهبة الفطرية فقط، وثانيا عبر التربية على الروح الرياضية الحقيقية التي تفرض تقبل الفوز والخسارة بروح إيجابية واحترام الخصم والحكم والزملاء ونبذ كافة السلوكيات السلبية والمشينة داخل المنافسة، وثالثا من خلال بناء الشخصية الذهنية الصلبة وتعزيز الثقة بالنفس دون الوقوع في فخ الغرور، وتعليم اللاعب كيفية التعامل النفسي مع الضغط العالي وحالات الفشل والتحديات الصعبة، وتنمية روح المبادرة لديه ليكون قائدا في موقعه وقادرا على اتخاذ القرارات الحاسمة، مما يضمن خروج لاعب يمثل القدوة الحسنة في المجتمع ويحمل لواء الأكاديمية بأخلاق عالية قبل مهاراته الكروية.

الإنفتاح الاستراتيجي ومواجهة تحديات الواقع الرياضي المعقد

لا تكتفي الأكاديمية بالتكوين الداخلي بل تتبنى مبدأ الانفتاح والشراكة كعنصر أساسي لنجاح أي مشروع تكويني حديث، إدراكا منها بأن ضمان استمرارية المسار التنافسي للاعبين يتطلب تعاونا فعالا مع الأندية والجهات الرسمية، وفي هذا الإطار تسعى الإدارة دوما لبناء قنوات تواصل دائمة مع الأندية المحلية والجهوية لفتح آفاق الاندماج والاحتراف أمام اللاعبين المتميزين الذين ينضجون داخل أسوارها، عبر المشاركة النشطة في الدوريات والبطولات والدورات الكروية المعتمدة التي تسمح للاعبين بالاحتكاك التنافسي المباشر وإبراز مؤهلاتهم الفنية تحت أنظار الكشافين والمؤطرين، وتنظيم مباريات ودية وتجمعات تقنية بحضور خبراء ومتابعين من مشارب رياضية مختلفة، مع مرافقة دائمة للاعبين وأسرهم في مراحل الانتقال الحساسة وتقديم التوجيه العلمي المناسب لاختيار المسار الأنسب لكل مو.

ورغم هذه الطموحات الكبيرة إلا أن الأكاديمية تصطدم بواقع صعب يتمثل في محدودية الموارد المالية مقارنة بحجم المتطلبات اللوجستية من تجهيزات وهياكل رياضية وبنية تحتية متطورة، بالإضافة إلى الإكراهات التنظيمية والعراقيل الإدارية المرتبطة أحيانا بالتراخيص وبرمجة المنافسات، وصعوبة ضمان استمرارية بعض اللاعبين بسبب الظروف الاجتماعية أو الضغوط الدراسية، فضلا عن نقص الوعي لدى البعض بأهمية التكوين طويل المدى والبحث عن النتائج السريعة والوهمية، ولذلك تضع الأكاديمية استراتيجية لتنويع مصادر الدعم عبر الشراكات والرعاة الذين يؤمنون بجدوى المشروع.

والاستثمار المستمر في تكوين المدربين وترسيخ ثقافة الصبر والعمل المرحلي لدى الأسر، لتطوير المشروع خطوة بخطوة وفق إمكانيات واقعية دون التسرع أو المجازفة بجودة التكوين، إيمانا بأن الاستثمار في هذه الناشئة هو الطريق الحقيقي والوحيد لبناء مجتمع قوي وتطوير كرة القدم الوطنية، موجهين في الختام رسالة شكر وتقدير للإعلام الذي يواكب هذه المسارات الجادة ويؤمن بأن بناء الإنسان يسبق دائما بناء اللاعب.

حليمة. خ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى