متفرقات

المدن الجزائرية العتيقة.. حين يصبح التصنيف الدولي حماية للذاكرة

لم يعد تصنيف المدن العتيقة والمعالم التاريخية في السجلات الوطنية أو الإقليمية والدولية مجرد إجراء إداري أو مكسب رمزي، بل تحوّل إلى آلية حماية استراتيجية في مواجهة التدهور العمراني، والإهمال، ومحاولات الطمس أو التشويه. وفي الجزائر، يشكّل إدراج المدن التاريخية ضمن القوائم المعتمدة اعترافًا بقيمتها الحضارية، ورافعة لإعادة إدماجها في الحاضر دون المساس بروحها الأصلية.

فالمدينة العتيقة ليست فضاءً جامدًا متوقفًا عند لحظة تاريخية معيّنة، بل كيان حيّ، عاش ويتحوّل ويتفاعل مع محيطه الاجتماعي والاقتصادي. غير أن هذا التحوّل، حين يتم خارج أي إطار علمي أو قانوني، يتحول إلى عامل تهديد بدل أن يكون عنصر تطوّر. من هنا تبرز أهمية التصنيف كوسيلة لضبط العلاقة بين الحماية والاستغلال، وبين الترميم والتحديث.

وتُعدّ مدينة مليانة العتيقة نموذجًا دالًا على هذا التوجّه، باعتبارها واحدة من المدن التي تختزن رصيدًا معماريًا غنيًا، يعكس تداخلاً بين التخطيط الإسلامي التقليدي والخصوصيات الجغرافية المحلية. فالنسيج العمراني للمدينة، بأزقته المتدرجة، ومنازله المتلاصقة، وفضاءاته الدينية والاجتماعية، يمثّل وثيقة مفتوحة لفهم نمط العيش، والعلاقات الاجتماعية، والتوازنات التي حكمت المدينة عبر مراحل تاريخية مختلفة.

إن الاعتراف بقيمة هذه المدن على المستوى العربي والدولي لا يكتفي بتسليط الضوء عليها، بل يفتح المجال أمام برامج صيانة مدروسة، تقوم على مقاربات علمية تشرك المعماريين، المؤرخين، وعلماء الآثار، إلى جانب السكان المحليين. فالحماية الحقيقية لا تُفرض من فوق، بل تُبنى بالتوافق، وبإشراك المجتمع في فهم قيمة الفضاء الذي يعيش فيه. كما يساهم هذا المسار في إعادة الاعتبار للمدينة العتيقة كمجال قابل للحياة، لا كمتحف مفتوح فقط، شرط أن يتم ذلك ضمن رؤية تحترم الهوية العمرانية، وتمنع التدخلات العشوائية التي تفقد المكان معناه. وهنا، يصبح التصنيف وسيلة دفاع عن الذاكرة، وحاجزًا قانونيًا في وجه العبث، وخطوة أولى نحو تحويل التراث من عبء إلى فرصة.

يوسف زكريا 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى