النادي الرياضي لمدرسة الدراجات … مدرسةٌ تصنع الأجيال على إيقاع الدواسات والقيم
في ولاية سعيدة التي تضرب جذورها في عمق التاريخ الرياضي الجزائري، يبرز النادي الرياضي لمدرسة الدراجات لمدينة سعيدة كواحد من أهم القلاع التكوينية التي ترفض منطق الارتجال، حيث تأسس هذا الصرح سنة 2004 على يد المستشار الرياضي والمختص في رياضة الدراجات السيد أحمد فركتو، الذي أراد أن يضع لبنة أساسية لتكوين وتدريب الدراجين ابتداء من فئة الكتاكيت وصولاً إلى فئة الأكابر، مع العمل الدؤوب على تطوير المواهب الشابة وترقية هذه الرياضة العريقة في ربوع الولاية، وفي هذا الروبورتاج، تكشف بولا، كيف تحول النادي تحت رئاسة السيد سفيان فركتو إلى منارة تربوية ورياضية، تضع الانضباط وحسن السلوك أساساً يسبق التفوق التنافسي، وتؤمن بأن ممارسة رياضة الدراجات هي في الجوهر رحلة لبناء الشخصية الوطنية المتزنة التي تخدم مجتمعها بكل فخر واعتزاز.
وتعتمد فلسفة النادي التي يتبناها رئيس الفريق سفيان فركتو على أهمية الاكتشاف المبكر للمواهب ابتداء من سن السابعة، حيث يتم تنظيم حصص تدريبية ومسابقات مصغرة تمكن الطاقم الفني من ملاحظة الأطفال الذين يملكون السرعة والتوازن والقدرة على التعلم السريع، لتبدأ بعدها مرحلة التكوين التقني التي يسهر عليها المدير الفني أحمد فركتو، من خلال تعليم أساسيات ركوب الدراجة بشكل صحيح مثل التحكم والانعطاف والفرملة، مما يشكل قاعدة تقنية صلبة للمستقبل تحمي الدراج من الأخطاء الفنية الشائعة، كما يولي النادي أهمية قصوى للتأطير البدني والنفسي لتطوير اللياقة البدنية وتعويد الأطفال على الصبر وروح المنافسة، وهي المهمة التي يشارك فيها بفعالية المحضر النفسي فتحي بن عباد، الذي يُعد عضواً محورياً في النادي لمرافقة الصغار وتجاوز ضغوطات المنافسة وتنمية روح التحدي لديهم.
ويرى رئيس الفريق سفيان فركتو من خلال تجربته كدراج سابق أن الرياضة كانت سبباً كبيراً في نجاحه الدراسي والمهني، وساهمت في بناء شخصيته بشكل إيجابي، وهو ما يدفعه اليوم لتوجيه رسالة قوية لأولياء الأمور بضرورة تسجيل أبنائهم في هذا الاختصاص الرياضي، فالرياضة في مدرسة سعيدة ليست مجرد نشاط بدني بل هي مدرسة حقيقية لبناء الأجيال وغرس روح المسؤولية واحترام الوقت، حيث لاحظ جميع الأولياء داخل الفريق تغيراً إيجابياً واضحاً في نفسية الأبناء منذ التحاقهم بالنادي، من خلال تنمية روح المنافسة الشريفة والعمل الجماعي، مع التشديد على نقطة جوهرية لا تقبل المساومة وهي أن “الدراسة قبل الرياضة”، حيث يتابع النادي المسار التعليمي لدراجيه ويحرص على أن يكون التفوق في المضمار مرادفاً للتفوق في مقاعد الدراسة.
فلسفة التكوين… الإنضباط قبل التفوق
وعلى الصعيد التنافسي يسجل النادي حضوراً قوياً ودائماً في جميع السباقات التي تنظمها الاتحادية الجزائرية للدراجات، سواء كانت سباقات جهوية أو وطنية، حيث يسهر الطاقم الفني الذي يضم إلى جانب رئيس الفريق كل من المدربين بومدين مكاوي وسيد أحمد عادم على تحضير الدراجين بكل احترافية، وهو ما تترجمه أرقام موسم 2025 التي تعكس حجم العمل الجبار، حيث شارك النادي في 16 سباقاً جهوياً و8 سباقات وطنية، محققاً نتائج تعكس جودة التكوين القاعدي والمتابعة المستمرة للمواهب المتميزة نحو مستويات أعلى، ولا يكتمل هذا العمل التقني دون الدور الحيوي الذي يقوم به الميكانيكي برزوق مراحي، الذي يحرص على جاهزية الدراجات وسلامتها التقنية، مما يوفر للدراجين الظروف المثالية للتألق في المنافسات الصعبة التي تتطلب صيانة دقيقة ومتابعة ميكانيكية فورية.
وفي ظل هذا العمل الجبار الذي يقوم به طاقم الفريق في سبيل تشريف ولاية سعيدة ورفع رايتها في المحافل الوطنية، يوجه سفيان فركتو نداءً إلى سلطات الولاية بضرورة دعم هذا الفريق من جميع النواحي المادية والمعنوية، فالفريق الذي يضم كفاءات وطنية مخلصة يحتاج لظروف مريحة ومحفزة تضمن له الاستمرارية وتساعده على تطوير المواهب الشابة، فاستثمار السلطات في هذا النادي هو في الحقيقة استثمار في شباب الولاية ومستقبلها، وتأكيد على أهمية مرافقة المشاريع الرياضية التي تملك رؤية تربوية واضحة، خاصة وأن مدرسة سعيدة للدراجات أصبحت اليوم مرجعاً في العمل القاعدي الجاد الذي يزاوج بين الصرامة الفنية وبين الحنان التربوي الذي يحتاجه الطفل في بداياته الأولى مع عالم الدراجات الهوائية.
الإكتشاف المبكر للمواهب أساس النجاح
إن الطموح الذي يسكن عائلة فركتو وكل الطاقم العامل في النادي هو ترسيخ مدرسة سعيدة كخزان حقيقي للمنتخبات الوطنية، وصناعة أبطال يرفعون الراية الوطنية دولياً بفضل المداومة والصبر والعمل الجاد، وهي القيم التي يزرعها المدربون بومدين مكاوي وسيد أحمد عادم في نفوس الصغار يومياً، فالطريق نحو النجاح الحقيقي في نظرهم يبدأ بقطرة عرق في التدريب وينتهي بمنصة تتويج تعكس نبل الأخلاق، ولتظل هذه المدرسة شاهدة على أن التوفيق من عند الله يأتي دائماً لمن أخلص في عمله ووضع مصلحة الناشئة فوق كل اعتبار، مؤكدين في ختام هذا الروبورتاج أن دراجات سعيدة هي قصة وفاء لمهنة المتاعب الجميلة، وقصة نجاح كُتبت بجهود رجال آمنوا بأن الرياضة هي أقصر طريق لبناء مجتمع قوي ومتماسك ومتطلع نحو مستقبل أفضل.
حليمة. خ




