بولا تجمع أصداء من قلب الحدث … “الشان” مرآة الكرة الإفريقية

في عالم كرة القدم الإفريقية، الذي يتقلب بين الشغف الجامح والواقع المعقد، تأتي بطولة كأس أمم إفريقيا للمحليين كحدث يجسد هذا التناقض بامتياز، لطالما كانت هذه البطولة منصة حاسمة للمواهب التي لم يسبق لها أن لعبت خارج حدود أوطانها، وأرضاً خصبة للمدربين المحليين لإثبات قدراتهم، ومع ذلك، تبقى هذه المنافسة محاطة بهالة من التساؤلات، فبينما يرى البعض فيها نافذة حقيقية لمستقبل الكرة في القارة، يرى آخرون أنها لا تزال تعاني من أزمات تنظيمية وفنية تعيق تطورها. نسخة البطولة الأخيرة لم تكن استثناءً، بل عكست بوضوح هذه الفجوة بين الطموح والإنجاز، لقد شهدنا فيها أداءً باهتاً من فرق كانت تحمل على عاتقها آمال جماهيرها.
في مقابل تألق غير متوقع من منتخبات لم تكن في دائرة الضوء، لكنها أثبتت أن كرة القدم الإفريقية لا تزال تخبئ كنوزاً من المواهب تنتظر من يكتشفها، هذا التباين هو ما يجعل من البطولة درساً لا يُنسى، وقصة تستحق أن تُروى، لا فقط من زاوية الأرقام والنتائج، بل من خلال نظرة عميقة إلى أداء المنتخبات، وفلسفة المدربين، وتجربة اللاعبين الذين خاضوا غمار هذه المنافسة بكل ما فيها من ضغط وإثارة. إن استقراء هذه التجربة بكل تفاصيلها هو ما يقدم لنا فهماً أعمق لما يحدث في ملاعب القارة، وكيف يمكن أن يتحول التحدي إلى فرصة، والإحباط إلى وقود، على هذا الأساس ستقدم “بولا” قراءة تحليلية شاملة لأبرز ما ميز هذه الدورة، من خلال وجهات نظر مختلفة، لكنها جميعاً تنبع من قلب الحدث.
رابح باوني (ناقد رياضي مختص في الكرة الإفريقية):“مشاركتنا كانت مخيبة تماماً”

اعتبر الناقد الرياضي المتخصص في الكرة الإفريقية، رابح باوني، أن الأداء العام للمنتخبات كان متفاوتاً إلى حد كبير، ووجه انتقاده الأقسى لمشاركة المنتخب الوطني الجزائري، التي وصفها بـ”المخيبة تماماً”، سواء من ناحية النتائج أو الأداء المقدم، وهو ما خالف كل التوقعات التي سبقت انطلاق المنافسة، حيث لم يتردد باوني في تحميل المسؤولية الكاملة للجهاز الفني، واصفاً خياراته بـ”غير المنطقية” التي أهدرت فرصة ثمينة، حيث تم توجيه الدعوة لبعض اللاعبين الذين كانوا بعيدين عن مستواهم المعهود، في مقابل تجاهل واضح لأسماء كانت تستحق التواجد وتمتلك قدرة أكبر على تقديم الإضافة للمجموعة.
وواصل باوني سرد رأيه، مؤكداً أن “الشان” هي في الأساس فرصة ذهبية لتسويق اللاعبين الشباب، وضرب المثل بالمنتخب السنغالي الذي أظهر حنكة كبيرة بإشراكه لاعبين صغار السن، فقد راهن على المستقبل بدلاً من الحاضر، وأشار إلى لاعبين مثل موسى سيسي (مواليد 2009) الذي أصبح أصغر لاعب في تاريخ البطولة، والذي أظهر موهبة كبيرة رغم حداثة سنه، كما لفت الانتباه إلى زميله أوسيانو فال (مواليد 2007) الذي انتقل إلى أوروبا مباشرةً بعد البطولة، بفضل الأداء اللافت الذي قدمه.
وأثنى أيضاً على منتخب غينيا الذي أشرك محمد لامين يولا (مواليد 2008)، ووصفه بأنه أحد أفضل المواهب الصاعدة في القارة، والذي يمتلك قدرة كبيرة على صناعة الفارق. وعلى المستوى الفني، رأى باوني أن هذه النسخة كانت أقل جودة من سابقتها التي استضافتها الجزائر، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى توقيتها غير المناسب الذي تزامن مع فترة التحضيرات للموسم الجديد، هذا التوقيت أثر سلباً على جاهزية العديد من الفرق، حيث لم يصل اللاعبون إلى قمة مستواهم البدني والفني، مما أثر على إيقاع المباريات وجودتها بشكل عام، وفي ختام حديثه، لم ينسَ الإشادة بـ”مفاجأة الدورة” منتخبي مدغشقر والسودان، فيما اعتبر أن منتخبات مثل نيجيريا وبوركينا فاسو كانت مخيبة للآمال، رغم الإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها.
الحسن بانغورا (لاعب المنتخب الغيني):“مستوى المنافسة كان ممتعاً”

من قلب الحدث، تحدث لاعب المنتخب الغيني، الحسن بانغورا، عن تجربته في البطولة، مشيراً إلى أن مستوى المنافسة كان “ممتعاً ومكثفاً للغاية”، وأن المباريات كانت على مستوى فني وتكتيكي عالٍ، مما فرض على اللاعبين التركيز التام داخل الميدان. وعلى الصعيد الفردي، أكد بانغورا أنه استفاد كثيراً من هذه التجربة، حيث تعلم كيفية التعامل مع الضغط الهائل للمباريات الدولية، وكيفية اتخاذ القرارات الصحيحة في اللحظات الحاسمةّ، أما على المستوى الجماعي، فأشار إلى أن التناغم كان قوياً بين زملائه، وأن المجموعة كانت تعمل بروح الفريق الواحد، وهو ما سمح لهم بتقديم عروض قوية وإثبات ذاتهم، حيث أ، هذا التماسك كان السر وراء نجاح المنتخب الغيني في تخطي التوقعات، حيث أظهر اللاعبون أن القوة الحقيقية للفريق تكمن في وحدته وتناغمه.
يورغا كامارا (صحفي غيني):“المستوى الفني للمنافسة كان جيداً”

أما الصحفي الغيني يورغا كامارا، فقد أكد أن مستوى البطولة كان “جيداً ومكثفاً من الناحية التكتيكية”، وأن الفرق المشاركة كانت في أوج جاهزيتها الفنية والبدنية، وأشار إلى أن عدداً من اللاعبين نجحوا في خطف الأضواء بأدائهم المميز، وأثنى بشكل خاص على لاعب منتخب بلاده، الحسن بانغورا، قائلاً إنه كان “مثالاً يحتذى به في العمل الجماعي” وحصل على جائزة أفضل لاعب في المباراة مرتين، مما يؤكد على تأثيره الكبير في أداء فريقه. كما أشاد كامارا بأسماء أخرى لفتت انتباهه بقوة، منها لاعب أوغندا ألان أوكيلو الذي وصفه بـ”اللاعب الخارق”، وأشار إلى أنه يمتلك قدرة فريدة على صناعة اللعب وتسجيل الأهداف، كما أشاد بأداء الحارس “الرائع” لمنتخب مدغشقر الذي كان سداً منيعاً أمام هجمات الخصوم، وساهم بشكل كبير في إنجاز فريقه غير المتوقع. وأكد كامارا على تألق كل من اللاعب الكيني أوغام، والتنزاني كليمنت مزيزي الذي وصف أداءه بالـ”قوي والمؤثر”.
ريان أوغام (مهاجم منتخب كينيا):“تجربة رائعة ومنصة ممتازة للظهور”
وفي حديثه لبولا عن مشاركته في البطولة، أكد مهاجم منتخب كينيا وأحد نجوم الدورة، ريان أوغام، أن البطولة كانت “تجربة رائعة ومنصة ممتازة للظهور”، وأوضح أن هذه التجربة منحت اللاعبين المحليين فرصة ثمينة لإظهار مهاراتهم أمام أنظار العالم، وهو ما يفسر الطلب الكبير عليه بعد تألقه، حيث أصبحت العديد من الأندية الكبرى تسعى لضمه بعدما رأت إمكانياته الفردية المميزة، واعتبر أن المستوى الفني كان عالياً جداً، وشكل تحدياً جيداً له ولفريقه لتقييم قدراتهم أمام خصوم أقوياء. وقال أوغام ليختصر الغاية الأساسية من بطولة “الشان”، إنها فهي ليست مجرد بطولة تنافسية، بل هي فرصة لإعادة اكتشاف المواهب، وتطوير اللاعبين، وفتح أبواب الاحتراف أمام جيل جديد من النجوم الأفارقة الذين يثبتون يوماً بعد يوم أن القارة السمراء لا تزال مصدراً لا ينضب للمواهب الكروية.
حليمة.خ