أكاديمية دراع بن خدة … هرم رياضي ينافس على المستوى الوطني
في قلب مدينة دراع بن خدة، التي تحمل تاريخاً عريقاً مع كرة اليد، يرتفع صرح رياضي طموح لا يهدف فقط إلى صناعة الأبطال، بل إلى إعادة كتابة تاريخ اللعبة في المنطقة، إنها “أكاديمية دراع بن خدة لكرة اليد”، التي تأسست عام 2021 كمشروع إنقاذ ضروري، جاء كرد فعل على التراجع الكبير الذي شهدته هذه الرياضة العريقة خلال السنوات الأخيرة، لم تكن مجرد فكرة عابرة، بل هي رؤية متكاملة يقودها شباب شغوفون ترعرعوا في أحضان كرة اليد، وحملوا على عاتقهم مسؤولية إحياء شعلتها من جديد، من خلال بناء قاعدة شبانية صلبة تكون نواة لمشروع رياضي مستدام يعيد للمدينة بريقها المفقود، ومع مرور السنوات الأولى بدأت هذه الرؤية تتحول إلى واقع ملموس، إذ تحولت الأكاديمية إلى فضاء اجتماعي تربوي يجمع بين روح المنافسة وحب اللعبة، ويمنح للأجيال الصاعدة فرصة الحلم بقميص فريق يمثل مدينتهم ويرفع اسمها عالياً.
انطلقت الأكاديمية برؤية واضحة، كما يكشف مديرها الفني الرياضي، إيدير عمر، في حديثه لـ “بولا”، حيث يؤكد أن الهدف لم يكن مجرد تكوين فريق، بل إحياء كرة اليد محلياً وتنمية المواهب الشابة من خلال توفير فضاء منظم وبيئة تربوية ورياضية تسمح للأطفال باكتشاف قدراتهم وبناء جيل جديد قادر على إعادة أمجاد اللعبة في دراع بن خدة، هذا المشروع كما يضيف لا يقتصر على صناعة لاعبين، بل يمتد ليشمل بناء جيل متوازن يلتزم بقيم الانضباط والتفوق الدراسي والعمل الجماعي، ليكون كل رياضي نموذجاً يحتذى به في المجتمع داخل الملعب وخارجه.
ويؤكد المدير الفني أن الأكاديمية تعمل كذلك على ترسيخ ثقافة الاحتراف لدى الأطفال مبكراً من خلال تعليمهم قيمة الالتزام بالأهداف واحترام البرنامج التدريبي وفهم دور اللاعب داخل المجموعة باعتباره جزءاً من مشروع جماعي أكبر.
منهجية علمية.. من اللعب التربوي إلى التخصص الدقيق
يكمن سر التميز الذي حققته الأكاديمية في فترة وجيزة في منهجيتها العلمية الدقيقة التي تتبناها في عملية التكوين، فالعمل لا يتم بشكل عشوائي، بل يرتكز على دراسة فردية لكل لاعب، كما يوضح إيدير عمر: “نحن نعتمد على تحليل الطول والوزن والقدرات البدنية لكل لاعب.
وبناءً على هذه المعطيات نضع برامج تدريبية خاصة تلبي احتياجاته التقنية والبدنية”، هذا التكوين يتدرج عبر ست فئات شبانية من أقل من 9 سنوات إلى أقل من 19 سنة، حيث يتم في المراحل الأولى التركيز على الألعاب التربوية والأنشطة المسلية التي تعزز حب الرياضة وتنمي القدرات الحركية، ثم الانتقال تدريجياً في فئة أقل من 13 سنة إلى تعلم الأسس التقنية والمهارات الفردية ومبادئ اللعب الجماعي، هذا العمل المبكر يضمن أن اللاعب يصل إلى سن المنافسة بأساس متين وبفهم تكتيكي يمكن تطويره بسرعة.
أما مع الفئات المتقدمة U17 وU19 فيصبح العمل أكثر تخصصاً وعمقاً، حيث يتم التركيز على التطوير التكتيكي المتقدم وأنظمة اللعب الكاملة مثل الدفاع المتقدم 5-1 أو الدفاع المتأخر 6-0 بهدف تكوين لاعبين جاهزين للانتقال إلى المستوى العالي، ولا يغفل القائمون على الأكاديمية الجانب النفسي الذي يعتبرونه حجر الزاوية في بناء البطل، حيث يتم اعتماد أساليب التحفيز المستمر والتواصل الإيجابي وتعليم قيم تقبل الخسارة والسيطرة على الانفعالات، مما يضمن بناء شخصية رياضية متوازنة وقوية ذهنياً، وتعمل الأكاديمية أيضاً على إشراك الأولياء في هذا المسار عبر لقاءات توجيهية وحصص مفتوحة تشرح لهم كيفية دعم أطفالهم بعيداً عن الضغط وتحويل بيئة الأسرة إلى عنصر نجاح لا مصدر توتر.
حصاد مثمر في زمن قياسي.. وتحديات بحجم الطموح
رغم حداثة تأسيسها، إلا أن بصمة الأكاديمية كانت واضحة وقوية على الساحة الرياضية، حيث تحولت إلى قوة لا يستهان بها، فعلى الصعيد المحلي فرضت فرقها سيطرتها المطلقة بتتويجها أبطالاً لولاية تيزي وزو في جميع الفئات، كما أثبتت علو كعبها وطنياً بالتأهل إلى أدوار متقدمة من كأس الجزائر والفوز بعدة دورات وطنية، مما جعل اسمها معروفاً على المستوى الوطني.
ويضيف إيدير عمر بفخر: “لدينا عدد معتبر من اللاعبين في المنتخب الولائي والجهوي، وهو مؤشر واضح على جودة التكوين داخل الأكاديمية ودليل على أننا نسير في الطريق الصحيح”، وتعتبر هذه النتائج بالنسبة للقائمين على المشروع مجرد بداية، فهي كما يقول دليل على أن الاستثمار في الطفل هو الطريق الأقرب نحو بناء نادٍ محترف قادر على تكوين عناصر تحظى بثقة المدربين والمنتخبات الجهوية.
لكن خلف هذه النجاحات تقف تحديات كبيرة بحجم طموح القائمين على المشروع، يلخصها المدير الفني في ثلاث نقاط أساسية: الدعم المالي الضعيف الذي يحد من قدرتنا على توفير التجهيزات اللازمة وتغطية مصاريف التنقلات، الصعوبات التي نواجهها أحياناً في توفير فضاءات تدريب كافية ومناسبة للأعداد المتزايدة من المنخرطين، ونقص الموارد الذي يعيق طموحنا في التوسع وفتح فئات جديدة، ورغم هذه العقبات فإن إصرار الطاقم التقني وثقة الأولياء يجعلان الأكاديمية واثقة من قدرتها على مواصلة النمو، فنجاح المشروع لا يقاس فقط بعدد الألقاب، بل بالمسار التكويني الطويل الذي يحافظ على اللاعب من سن السادسة إلى مرحلة الاحتراف ويمنحه هوية رياضية واضحة متجذرة في مدينته.
الهدف الأسمى.. فريق أكابر من أبناء الدار
لا تتوقف طموحات أكاديمية دراع بن خدة عند الهيمنة على الفئات الشبانية، بل تتطلع إلى استكمال الهرم الرياضي وتحقيق الحلم الأكبر، وكشف إيدير عمر عن الهدف الاستراتيجي للموسم القادم 2026/2027، وهو إعادة إطلاق فريق الأكابر Senior مع الاعتماد بشكل أساسي على اللاعبين الشباب الذين تم تكوينهم داخل النادي، هذا المشروع لا يهدف فقط إلى إتاحة الفرصة للاعبين للانتقال إلى مستوى الكبار، بل يهدف أيضاً إلى ترسيخ الهوية المحلية للفريق من خلال الاعتماد على أبناء المدينة، مما يعزز الانتماء والروح القتالية ويضمن استمرارية المشروع الذي وُلد ليعيد لكرة اليد في دراع بن خدة مكانتها المستحقة على الخارطة الوطنية، وتطمح الإدارة إلى أن يكون فريق الأكابر نموذجاً يحتذى به محلياً يعتمد على التكوين الذاتي ويمنح المدينة فريقاً يعكس تاريخها الرياضي ويعيد لجماهيرها شغفها القديم مع اللعبة.
حليمة. خ



