سيادة ثقافية وإثبات للهوية.. الزليج الجزائري.. معركة الذاكرة في مواجهة السطو الثقافي
لم يعد التراث الثقافي في العصر الحديث مجرد موروث جمالي أو فني تتغنى به الشعوب، بل تحوّل إلى مجال صراع ناعم، تتقاطع فيه السياسة بالهوية، وتتنازع حوله السرديات التاريخية، خاصة في الفضاءات الحضارية المشتركة. وفي هذا السياق، يجد الزليج الجزائري نفسه اليوم في قلب معركة رمزية حقيقية، عنوانها الدفاع عن الذاكرة الوطنية، وحماية أحد أقدم الفنون المعمارية في شمال إفريقيا من محاولات النسب والاختزال والتوظيف الخارجي. لقد أصبحت الجزائر، بما تمتلكه من عمق تاريخي وحضاري موثّق، هدفًا لمحاولات متكررة لإعادة تأويل تراثها، أو القفز على منجزاتها الحضارية، عبر تقديم عناصر ثقافية جزائرية خالصة في صيغ منزوعة السياق، تُروّج خارج إطارها الجغرافي والتاريخي الحقيقي. والزليج، باعتباره فنًا خزفيًا مركزيًا في العمارة الإسلامية بالجزائر، ليس استثناءً من هذا الاستهداف.
محاولة استباق.. والجزائر ترد بالوثيقة
في خطوة لم تكن مفاجئة للمتابعين، أعلنت جهة مجاورة في الضفة الغربية لشمال إفريقيا عن إيداع ملف لتصنيف “الزليج” ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو، في محاولة واضحة لفرض سردية أحادية حول هذا الفن، متجاهلة المعطيات التاريخية والأثرية التي تؤكد أن الجزائر كانت السبّاقة زمنيًا وحضاريًا في تطوير الزليج كصناعة محلية مكتملة المعالم. غير أن الجزائر لم تدخل هذا المسار من موقع ردّ الفعل، بل كانت قد أودعت، سنة 2024، ملفًا متكاملًا بعنوان: “فن الزخرفة المعمارية بالزليج، خزف مينائي: المعارف والمهارات المرتبطة به” لدى منظمة اليونسكو، وهو ملف لا يزال قيد الدراسة، أُنجز وفق مقاربة علمية دقيقة، شارك فيها باحثون، مؤرخون، مختصون في الآثار، وحرفيون، واستند إلى شواهد مادية موثقة تعود إلى أكثر من ألف سنة.
استراتيجية وطنية لحماية التراث
ويأتي هذا المسعى ضمن سياسة ثقافية واضحة انتهجتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، تقوم على بناء بنك معطيات وطني للتراث الثقافي المادي وغير المادي، وتسخير الإمكانات البشرية والعلمية والمنهجية لتثبيت المرجعية الجزائرية لعناصرها الحضارية في المحافل الدولية. وقد تُوّج هذا الجهد بتسجيل عدة عناصر لدى منظمة اليونسكو، من بينها ملف الزي الاحتفالي النسوي للشرق الجزائري الكبير، الذي شمل القفطان القاضي، والقندورة، والملحفة، والحايك، إلى جانب تقنيات التطريز التقليدية مثل المجبود، الفتلة، الكنتيل، التل، الترصيع، والتعمار. كما شمل الملف الحلي الفضية والذهبية، بأسمائها المحلية الدقيقة، في سابقة مهمة تحمي المصطلح كما تحمي القطعة. ولا تزال الجزائر تعمل على ملفات أخرى ذات رمزية قوية، على غرار البرنوس الجزائري، الحايك، الحوزي، وغيرها من العناصر التي طالها في فترات سابقة التباس أو محاولات طمس.
الزليج… شهادة ميلاد جزائرية موثقة
في هذا السياق، يؤكد البروفيسور والباحث في التراث عبد القادر دحدوح أن الزليج ظهر لأول مرة في الجزائر كصناعة محلية متكاملة خلال العهد الحمادي، وتحديدًا في قلعة بني حماد، التي شُيّدت سنة 398هـ / 1008م على يد حماد بن بلكين، وتُعد اليوم من أهم مواقع التراث العالمي. ويشير دحدوح إلى أن أقدم بقايا الزليج المكتشفة وُجدت في: مئذنة جامع القلعة، قصر المنار، وعدد من المعالم المعمارية الأخرى داخل القلعة، وهي نماذج محفوظة اليوم في المتحف الوطني للآثار القديمة والفنون الإسلامية بالجزائر العاصمة، والمتحف الوطني بسطيف، والمتحف الوطني سيرتا بقسنطينة، إضافة إلى متحف قلعة بني حماد، وتشكل كلها أدلة مادية لا تقبل الجدل.
من التأثير إلى الانتشار.. لا العكس
ويُوضّح الباحث أن وجود قطع خزفية مزججة في معالم دينية خارج الجزائر خلال فترات مبكرة، لا ينفي أبدًا أسبقية الزليج الجزائري، بل يؤكد مسار الانتقال الثقافي الطبيعي داخل العالم الإسلامي. فبينما استُوردت بعض القطع المزججة إلى جامع القيروان من المشرق خلال العصر العباسي، فإن ما يميّز قلعة بني حماد هو بروز صناعة محلية للزليج، بتقنيات وألوان وأشكال مستقلة. ومن هذه القاعدة الجزائرية، انتقل الزليج لاحقًا إلى مناطق أخرى من الغرب الإسلامي، خاصة مع قيام الدولة الموحدية، التي ورثت الدولة الحمادية سياسيًا وثقافيًا. ومن المعروف تاريخيًا أن مؤسس الدولة الموحدية، عبد المؤمن بن علي، ينحدر من منطقة هنين الجزائرية، وكان مطلعًا على العمارة الحمادية في القلعة وبجاية، وهو ما يفسّر انتقال الأنماط الفنية الجزائرية نحو الغرب، لا العكس.
انتشار طبيعي لا يلغـي الأصل
ومع توسّع الدول الإسلامية في المنطقة، خاصة خلال العهود الزيانية، الحفصية، ثم العثمانية، انتشر فن الزليج في القصور والمساجد والزوايا والحمامات، وتطوّر شكليًا، لكنه ظل محافظًا على بصمته الهندسية الإسلامية القائمة على التماثل والتناظر والتجريد. غير أن الانتشار الجغرافي لا يعني أبدًا ملكية حصرية، ولا يبرر اختزال الأصل أو مصادرته، وهو ما تؤكد عليه الباحثة في الآثار البروفيسورة عائشة حنفي، التي شددت على أن لكل بلد خصوصياته الحرفية، لكن لا يمكن إنكار أن الزليج وُلد في الجزائر، وبالتحديد في قلعة بني حماد، ثم تطور في تلمسان والعاصمة، ولا يزال شاهدًا على عراقة هذا الفن.
حماية الزليج.. حماية للسيادة الثقافية
إن الدفاع عن الزليج الجزائري ليس مجرد نقاش فني أو أكاديمي، بل هو دفاع عن السيادة الثقافية، وعن حق الشعوب في رواية تاريخها بأصواتها، استنادًا إلى الوثيقة، لا إلى الترويج. وفي زمن تتكاثر فيه محاولات السطو الرمزي، تبدو معركة الجزائر اليوم معركة وعي، أساسها الأرشيف، والبحث، والتوثيق، وحضور قوي في المنظمات الدولية، حتى يبقى الزليج الجزائري كما كان دائمًا: فنًا مولودًا من طين هذه الأرض، ومشبعًا بروحها، وناطقًا بتاريخها.
خزف المينا.. حين يتحول الزليج الجزائري إلى خطاب بصري خالد
لم يكن خزف المينا في التجربة الجزائرية مجرد إضافة تقنية على سطح القطعة الخزفية، بل شكّل، عبر الزمن، تحوّلًا نوعيًا في لغة الزخرفة، نقل الزليج من وظيفة التزيين المعماري البحت إلى أفق أوسع، حيث تتقاطع الحرفة بالفن التشكيلي، والذاكرة بالجمال، والتقنية بالإبداع الحر. فبفضل هذا التزجيج الزجاجي الشفاف، اكتسبت القطع الفسيفسائية بعدًا بصريًا جديدًا، جعلها أكثر قدرة على مقاومة الزمن، وأكثر قابلية لاحتضان الألوان والرموز والدلالات. لقد سمح خزف المينا للفنان الجزائري بتوسيع مساحته التعبيرية، والانفتاح على تشكيلات لم تكن مألوفة في الزليج التقليدي، دون أن يفقد هذا الأخير روحه الأصيلة. فأصبحت اللوحات المزججة تحتضن تراكيب هندسية معقّدة، وزخارف نباتية متداخلة، وأحيانًا مشاهد رمزية مستوحاة من البيئة المحلية، في تناغم يزاوج بين الصرامة الهندسية والليونة الجمالية.
المعرض… بوابة عبور بين الأزمنة
لا يمكن الحديث عن خزف المينا دون التوقف عند الدور الذي تلعبه المعارض الفنية في إعادة قراءة هذا الفن، ومنح المتلقي فرصة العبور عبر الزمن. فالدخول إلى معارض لوحات السيراميك بقصر الباي في قسنطينة، على سبيل المثال، ليس مجرد زيارة ثقافية، بل رحلة بصرية تستحضر قرونًا من التراكم الفني، حيث تتجاور الأعمال التراثية مع التجارب الحديثة، في حوار صامت بين الماضي والحاضر. وتكشف هذه المعارض عن تنوع بصري لافت، يعكس الخصوصيات الجهوية دون الحاجة إلى تسميات مباشرة. فالألوان، وحدها، تتكفل بسرد الحكاية؛ إذ تطغى التدرجات الفاتحة واللمسات الفضية في بعض الأعمال، بينما تميل أخرى إلى دفء الألوان المشبعة، في إحالة ذكية إلى اختلاف المناخات والبيئات والمواد الطبيعية التي ألهمت الفنانين عبر العصور.
الزهرة كرمز.. حين تتكلم الطبيعة لغة الزليج
في أعمال خزف المينا، لا تحضر الزهرة بوصفها عنصرًا زخرفيًا فحسب، بل كرمز بصري محمّل بالدلالات. فالنرجس، القرنفلة، والتوليب، ليست مجرد أشكال جمالية، وإنما مفردات من قاموس بصري متوارث، يعكس علاقة الإنسان الجزائري بالطبيعة، وبالمكان، وبالذاكرة الجمعية. ويؤكد فنانون معاصرون أن استلهام هذه العناصر لا يتم من فراغ، بل من ملاحظة دقيقة لقطع زليج ما تزال تزيّن بيوتًا عتيقة، وفضاءات تاريخية، وجدرانًا احتفظت ببرودة الحجر ودفء اللون. ومن هنا، فإن لوحة خزف مينا بقياس صغير نسبيًا، قادرة على فتح أفق واسع للتأمل، يجعل المتلقي يغوص في عمق الفن الإسلامي، دون حاجة إلى شروح لفظية.
الزليج كذاكرة بصرية
يرى فنانون مختصون أن الأعمال الفسيفسائية المزججة لا تُقرأ قراءة سطحية، بل تتطلب زمنًا بصريًا، حيث تتكشف رموزها تدريجيًا. فكل لوحة هي ذاكرة مضغوطة، تحمل في طياتها إشارات إلى حضارات تعاقبت، وتأثيرات ثقافية تداخلت، وبصمات محلية حافظت على حضورها رغم التحولات. وتحضر بعض الرموز المتكررة، مثل مشاهد الصيد، والمزهريات، والعناصر النباتية المتناظرة، بوصفها شواهد على استمرارية الذوق الفني، وعلى قدرة الزليج الجزائري على استيعاب التحول دون القطيعة مع الأصل.
من الجدار إلى اللوحة.. تحرر الزليج من الوظيفة
من أبرز التحولات التي عرفها خزف المينا، خروجه من حيز التوظيف المعماري الصرف، إلى فضاء اللوحة المستقلة. فقد أصبح الزليج يُنجز اليوم كعمل فني قائم بذاته، يُعلّق، يُعرض، ويُقتنى، شأنه شأن اللوحات التشكيلية. هذا التحول لم يُلغِ البعد الوظيفي للزليج، لكنه أضاف إليه بعدًا تعبيريًا، جعل الفنان أكثر جرأة في اختيار المواضيع، وأكثر تحررًا في التعامل مع اللون والسطح والفراغ. وهنا، يلعب التزجيج دورًا محوريًا في تثبيت الألوان، ومنح العمل بريقًا خاصًا، دون المساس ببنيته الحرفية.
الفضاء… عنصر مكمل للعمل الفني
لا يكتمل حضور خزف المينا دون فضاء يحتضنه. فاختيار المكان الذي تُعرض فيه الأعمال ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من التجربة الجمالية. وتُعد الفضاءات التاريخية، بما تحمله من رمزية، حاضنة مثالية لهذا الفن، حيث تتكامل الجدران المزخرفة مع اللوحات المعروضة، في انسجام يربط الأصل بالامتداد. ويُجمع الفنانون على أن عرض الأعمال داخل معالم تاريخية يساهم في تهذيب الذائقة العامة، ويعيد الاعتبار للزليج كفن حيّ، لا كعنصر متحفي جامد.
بين الحرفة والتكنولوجيا.. صراع أم تكامل؟
في زمن تسارعت فيه تقنيات الطباعة والنقل الحراري، يواجه خزف المينا تحديًا جديدًا، يتمثل في المنتجات الصناعية التي تحاكي الزخارف التقليدية بدقة ظاهرية. غير أن هذا التحدي، في نظر المختصين، لا يهدد جوهر الزليج، بل يسلّط الضوء على قيمته. فالفرق بين القطعة المصنوعة يدويًا، وتلك المنتجة صناعيًا، لا يكمن فقط في الشكل، بل في الروح. فالأولى تحمل أثر اليد، والخبرة، والقرار الفني، وتقاوم الزمن والعوامل الطبيعية، بينما تبقى الثانية مجرّد نسخة، جميلة في ظاهرها، محدودة في عمرها ودلالتها.
مصطفى خليفاوي




