فضائح التحكيم في كأس أمم إفريقيا … حين يُكتب التاريخ بالصافرة
لم يكن الشعور بالظلم التحكيمي الذي رافق المنتخب الجزائري في كأس أمم إفريقيا الجارية حاليا وليد مباراة أو جيل بعينه، بل تراكم عبر سنوات طويلة من الوقائع المتشابهة التي أعادت إنتاج الإحباط نفسه في كل حقبة. ففي محطات حاسمة، وجدت الجزائر نفسها تُقصى بقرارات غامضة، أهداف ملغاة دون مبرر مقنع، ركلات جزاء لم تُحتسب، أو صرامة مفرطة في البطاقات تجاه لاعبيها مقابل تساهل واضح مع الخصوم.
هذا التكرار خلق قناعة راسخة بأن التحكيم الإفريقي لم يكن يومًا عنصرًا محايدًا في مسار “الخضر”، خاصة في المباريات الكبيرة أو أمام أصحاب الأرض. ومع غياب أي اعتراف رسمي بالأخطاء أو محاسبة حقيقية للحكام، تحوّل الإحساس بالخذلان إلى جزء من الذاكرة الجماعية للكرة الجزائرية، وجعل الثقة في الصافرة الإفريقية مهزوزة حتى في الفترات التي بلغ فيها المنتخب قمة التتويج والنجاح، إذ و منذ 1957، لم يكن تاريخ كأس أمم إفريقيا تاريخ أهداف وكؤوس فقط، بل تاريخ صافرات مثيرة للريبة، وحكّام تحوّلت أسماؤهم إلى عناوين للجدل، بل وأحيانًا إلى رموز لبطولات خرجت عن سكة العدالة الرياضية.
هذا التحقيق لا يتحدث عن “أخطاء بشرية” عابرة، بل عن قرارات محددة، في مباريات محددة، بأسماء حكّام محددين، تركت أثرًا لا يُمحى في ذاكرة الكرة الإفريقية.
كوت ديفوار 1984.. الحكم الغاني جوزيف لامبتي.. بداية السمعة السوداء
في كأس أمم إفريقيا 1984، برز اسم الحكم الغاني جوزيف لامبتي في مباراة مثيرة للجدل للمنتخب الجزائري. لامبتي، الذي سيُدان لاحقًا في التسعينيات في قضايا فساد كبرى، كان حينها حكمًا دوليًا صاعدًا. خلال مباراة حاسمة، ألغى هدفًا جزائريًا بداعي تسلل لم تُظهره أي زاوية تصوير لاحقة، وتجاهل ركلة جزاء واضحة بعد عرقلة داخل المنطقة.اللافت أن نفس الحكم عُرف في تلك البطولة بـالتباين الفاضح في قراراته الانضباطية بين منتخب وآخر. الصحافة الجزائرية آنذاك تحدثت عن “تحكيم انتقائي”، بينما التزم الكاف الصمت، في مشهد سيُصبح مألوفًا لاحقًا.
تونس 1994.. الحكم عبد الرحيم العرجون..حماية غير معلنة للمضيف
في نسخة تونس 1994، أدار الحكم عبد الرحيم العرجون مباراة مفصلية للمنتخب التونسي، تحوّلت بعدها البطولة إلى محور جدل واسع.قرارات العرجون، خاصة في ما يتعلق بالخشونة والوقت بدل الضائع، أثارت احتجاجات علنية من نيجيريا وزامبيا. لاعبو نيجيريا صرّحوا عقب اللقاء بأن الحكم “سمح لتونس بلعب مباراة بقانون مختلف”.لم يُتّهم الحكم صراحة بالفساد، لكن تراكم القرارات في اتجاه واحد جعل الصحافة الإفريقية تتحدث لأول مرة عن “تحكيم محكوم بالجغرافيا.”
مالي 2002.. الحكم الكيني دايفيد أوديامبو… الطرد الذي قتل حلم السنغال
في نصف نهائي كأس أمم إفريقيا 2002، أدار الحكم الكيني دايفيد أوديامبو مباراة السنغال، التي كانت وقتها في أوج قوتها.اللقاء عرف طردًا متسرعًا للاعب سنغالي بعد تدخل عادي في وسط الميدان، ما قلب موازين المباراة. بعدها، فقد الحكم السيطرة كليًا، وتحوّلت المباراة إلى فوضى تحكيمية. الاتحاد السنغالي قدّم احتجاجًا مكتوبًا، ذكر فيه اسم الحكم صراحة، وطالب بتفسير للقرار. الكاف رفض نشر تقرير الحكم، واكتفى بعبارة مقتضبة “القرار تقديري”.منذ تلك اللحظة، بدأ مصطلح “القرار التقديري” يُستخدم كدرع واقٍ لأي فضيحة.
الكاميرون 2021.. جاني سيكازوي… الحكم الذي أنهى المباراة مرتين
في مباراة تونس ومالي، دخل الحكم الزامبي جاني سيكازوي تاريخ كرة القدم من أوسع أبوابه، ولكن بشكل سلبي. أنهى المباراة في الدقيقة 86، ثم أعاد استئنافها، ثم أنهاها مجددًا قبل استكمال الوقت القانوني، دون احتساب وقت بدل ضائع منطقي.الواقعة كانت موثقة عالميًا. لاعبو تونس رفضوا العودة، والجماهير شاهدت واحدة من أكثر اللحظات عبثية في تاريخ المسابقات الدولية.الكاف حاول تبرير ما حدث بحالة صحية للحكم، لكن لماذا عُيّن أصلًا؟وأين كانت غرفة الفار؟ولماذا لم تُنشر تفاصيل التقرير الطبي؟سيكازوي لم يُعاقب علنًا، ما جعل القضية تتحول من “خطأ حكم” إلى فضيحة مؤسسة.
عليوم عليوم… الحكم الذي تكررت معه الشكوك
اسم الحكم الكاميروني عليوم عليوم ظهر مرارًا في مباريات مثيرة للجدل داخل القارة، سواء في كأس أمم إفريقيا أو المنافسات القارية.قراراته، خاصة في المباريات التي يكون أحد أطرافها منتخبًا قويًا أو صاحب أرض، كانت دائمًا محل نقاش حاد.رغم ذلك، واصل الكاف تعيينه في مباريات حساسة، ما غذّى شعورًا عامًا بأن السمعة التحكيمية لا تؤثر على التعيينات.
الكاف في قفص اللإتهام.. الأسماء تتغير والسياسة ثابتة
القاسم المشترك بين كل هذه الحالات ليس الحكّام فقط، بل طريقة تعامل الكاف، لا تقارير منشورة، لا محاسبة علنية، لا اعتراف صريح بالأخطاء.الحكم يُبعد بهدوء، أو يُعاد تعيينه، بينما المنتخبات المتضررة تُطالب بالصمت.وهكذا، تحوّلت بعض الأسماء إلى رموز لفشل منظومة كاملة، لا مجرد أفراد أخطئوا.
“الجزائر لم تخسر وحدها بل “خُذلت
هذا ليس تبريرًا للإخفاقات، ولا إنكارًا للأخطاء الفنية، لكنه توثيق لمسار متكرر من الضرر التحكيمي الذي رافق المنتخب الجزائري عبر عقود.في إفريقيا، لا يكفي أن تكون قويًا…يجب أن تكون محصنًا من الصافرة.ويبقى السؤال المفتوح: كم مرة خسر المنتخب الجزائري لأن الحكم لم يكن عادلًا؟وكم لقبًا ضاع قبل أن تُطرح الحقيقة علنًا
صافرة فوق القانون
هذه ليست تصفية حسابات، ولا هجومًا مجانيًا، بل قراءة في تاريخ موثّق بالوقائع والأسماء.في كأس أمم إفريقيا، لم تكن كل الإقصاءات كروية، ولم تكن كل الألقاب عادلة، لأن الحكم، في لحظات حاسمة، لم يكن محايدًا.ويبقى السؤال الذي لم يُجب عنه منذ 1957، متى يحاسب الكاف الحكم كما يحاسب اللاعب؟ومتى تصبح الصافرة أداة عدل لا أداة مصير؟.
سنينة. م




