فنجان قهوة مع كثير من الندم!!
الجزء الثاني
.. غضبها كان آخر همه، الرجفة من الخوف تعدت لحظات الغضب الهستيرية لزوجة منهكة نفسيا، هو لا يحب ما يقال عندنا بالعامية “تنقريش”، الكلمات المسترسلة والجمل الطويلة التي لا نهاية لها لنفس الموضوع مرارا وتكرارا.
“ما الذي فعلته في حياتي يا ربي لتجازيني هذا الجزاء”، “لقد اتسخت ملابسك مجددا، هل أنا خادمة لك بدوام كامل لأقابل غسل ملابسك كل مرة”، “أصبحت كالطفل الذي يريد رعاية مستدامة وأنا ما عدت قادرة على ذلك”.. وغيرها من الجمل التي تعيدها زوجته مرارا وتكرارا على نحو منتظم ليس فيه خطأ.
هو لا ينبس ببنت كلمة، يبقى ساكنا مطأطئا رأسه.. عيناه قد تجحظان من شدة الألم.. صوتها فجأة يصبح كدبابيس تخترق طبلته السمعية لتلج مباشرة نحو أعصابه و تضغط عليها ضغطا مستفزا للغاية فتنتفخ وجنتاه و تحمر عيناه.. يضل مطأطئا رأسه محاولا التخفيف عن نفسه و ما يحدث داخل جسده النحيل..
هذه المرة رفع رأسه للسماء.. توقفت الزوجة و قد استطاع هذا التصرف أخيرا حبسها عن الكلام.. فليس من عادته قبل هذا اليوم أن ينظر إلى السماء، كان يكتفي بالنظر إلى الأرض حتى تنتهي زوجته من عملية “التنقريش” التي قد تدوم لساعات بل وتظل ارتداداتها لليل. الوضع مختلف هذه المرة، فقد رفع رأسه للسماء.. “يا ترى ما الذي يقوله في نفسه”، أومأت زوجته تخاطب نفسها. سكنت واستكانت واتجهت بدون سابق انذار الى المطبخ وكأنما صب عليها الماء البارد.
عم الهدوء للحظات، ثم لساعات.. جاء الليل ليحمل سكينة قدسية للرجل المريض، فقد كان وحده من يجلب له الراحة وغيبوبة مؤقتة لأفكاره التي لا تتوقف إلا بالنوم. كان يحمد الله كثيرا على استطاعته النوم دون أرق.. يا لها من نعمة عظيمة تستحق الشكر، هكذا كان يومئ لنفسه كلما هم أن يمدد جسده المتعب على السرير. نامت زوجته بجانبه كجثة لم يتبقى فيها إلا عرق أو اثنين ينبضان بالحياة.
استيقظت البنت في اليوم الموالي وهمت بالذهاب، رمقت الشرفة سريعا لتأجج إحساس الشفقة داخلها قبل أن تذهب للعمل، لكن هذه المرة لم يكن هناك.. لوهلة فقط تساءلت في صمت أين هو؟ ثم لم تلبث أن تزاحمت في رأسها تفاصيل أخرى أكثر أهمية يجب أن تهتم بها في العمل.. كالتوقيت مثلا.. نظرت للساعة قالت وهي تتجه صوب الباب مسرعة: “لقد تأخرت عن العمل”.
الولد نائم، لن يستيقظ قبل المساء ليتجه نحو المقهى مباشرة و كأنما برمج على ذلك.. إذا سألته ما الذي سيكون حاله لو أغلق المقهى أبوابه لأي سبب من الأسباب ماذا ترى سيجيب!!
في الغرفة المجاورة، السكون يطبق على المكان، الشمس التي أشرقت لتوها لم تستطع أشعتها اختراق النافذة إلا اللمم.. الضوء الخافت الذي انساب بين جنبات النافذة انعكس بقاياه على وجه يكاد يبيض من شدة الذهول.. زوجته تجلس على السرير و هي تنظر إليه.. بريق الدمع المنسكب من عينيها شاهد على دقات قلبها المتسارعة و ارتجاف مفاجئ لجسدها.. كانت تنظر لزوجها الملقى بجانبها وهو ميت.. نعم قد مات دون أن يترك لها مجالا لتعتذر منه ولا لتعامله أحسن مما كان منها لسنوات.. تمنت لو أنه كان مجرد كابوس مزعج، لكن لا.. الموت لا يعطي مواعيد ولا ينتظر و لا حتى يتيح لك حلولا أخرى.. أما ما هو أشد من الموت.. إحساس الندم.. فليس له حل هو الآخر.. يعيش معك يقطع أنفاسك إلى أن يقتلك..
النهاية.
بركاش سعاد



