تحقيقات وروبورتاجات

ترجي زناتة … إنتصارات بلا ميزانية وحلم صعود يُكتب بالعرق

في زمن أصبحت فيه كرة القدم، حتى في أقسامها السفلى، رهينة للميزانيات الضخمة والدعم المالي المنتظم، يخرج ترجي زناتة عن كل القواعد، ويقدّم نموذجًا نادرًا لفريق اختار أن يقاوم بالروح، ويصارع بالإرادة، ويكتب نتائجه بعرق لاعبيه .في آخر أنفاس اللقاء، وبهدف قاتل منح الانتصار على اتحاد شبيكية، جدّد ترجي زناتة موعده مع التاريخ، ليس فقط بفوز جديد يُضاف إلى رصيده، بل برسالة واضحة مفادها أن هذا الفريق يلعب كرة القدم بقلبه قبل قدميه.

فريق بلا إعانة وبصفر دينار في الخزينة

المثير للدهشة، بل الصادم في آن واحد، أن ترجي زناتة يسير بصفر دينار منذ انطلاق الموسم، بسبب تأخر وصول الإعانة البلدية، نتيجة تعقيدات إدارية مرتبطة برقم التعريف الضريبي، ما حال دون تمكين خزينة الولاية من تحويل المبلغ المخصص للنادي.تعقيدات متعبة، لكنها في الواقع كادت أن تخنق فريقًا بأكمله، لولا تضحيات استثنائية من أشخاص قرروا ألا يتركوا النادي يسقط.

رئيس يدفع من ماله الخاص

في ظل هذا الشح المالي الخانق، لم يتوقف الفريق عن خوض مبارياته في ظروف قانونية وتنظيمية محترمة، بفضل رئيس الفريق الذي تكفّل شخصيًا بدفع تكاليف سيارة الإسعاف، الطبيب، الماء، ومختلف المستلزمات الضرورية لإجراء المباريات.هي أعباء لا يتحملها فرد واحد في الظروف العادية، لكنها أصبحت واقعًا يوميًا في ترجي زناتة، حيث اختلط التسيير الرياضي بالتضحية الشخصية.

لاعبون بلا أجور لكن بوفاء نادر

الأكثر إيلامًا في هذا المشهد، أن اللاعبين يخوضون اللقاءات دون مقابل مادي، لا لشيء سوى العلاقة الإنسانية التي تربطهم بالمسيرين والمدربين.اللاعبون لم يتقاضوا أي مستحقات مالية منذ المباراة الخامسة من مرحلة الذهاب، ومع ذلك واصلوا القتال فوق المستطيل الأخضر، مباراة بعد أخرى، دون تذمر أو احتجاج.بل إن الصورة الأكثر تعبيرًا عن حجم المعاناة، تمثلت في قيام أحد اللاعبين بدفع الغرامة المالية المسلطة على الفريق، والتي لو لم تُدفع في وقتها، كانت ستكلف الأكابر خصم نقطة ثمينة من رصيدهم. ولم تتوقف التضحيات عند هذا الحد، حيث قام لاعب آخر بتسديد تكاليف بعض المستلزمات الإدارية الضرورية لتأهيل اللاعبين الجدد خلال مرحلة العودة، في مشهد يكشف إلى أي حدّ تحوّل اللاعبون إلى شركاء حقيقيين في تسيير النادي، لا مجرد عناصر داخل الميدان.

مدربون يعملون بلا مقابل منذ البداية

أما الطاقم الفني، فقصته لا تقل بطولة.مدربون يعملون دون أجر منذ انطلاق البطولة إلى يومنا هذا، واضعين مصلحة الفريق فوق كل اعتبار، ومؤمنين بأن المشروع الرياضي أهم من الحسابات الشخصية.في زمن يهرب فيه المدرب عند أول تأخر في المستحقات، اختار مدربو ترجي زناتة البقاء، والعمل، والصبر. رغم كل هذه الظروف القاسية، حقق ترجي زناتة 26 نقطة، ولم يتلق سوى ثلاث هزائم فقط، في حصيلة تُعد إعجازية بكل المقاييس، خاصة إذا ما قورنت بإمكانات بقية الفرق المنافسة التي تملك ميزانيات، إعانات، ورواتب منتظمة. لن تجد فريقًا لا يملك مالًا، وبلغ هذا الرصيد، ونافس بهذه الشراسة. اليوم، يلعب ترجي زناتة ورقة الصعود إلى القسم الجهوي للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.تحقيق هذا الهدف، في حال تجسيده، لن يكون مجرد صعود رياضي، بل سابقة تاريخية تُسجل بأحرف من ذهب، ودليلًا حيًا على أن كرة القدم لا تزال قادرة على إنصاف من يخدمها بإخلاص.صعود سيكون نادرًا في ظل شح الموارد، ويجعل من ترجي زناتة حالة تُدرّس، لا مجرد فريق عابر في سجلات البطولة.

تحرك السلطات أصبح ضرورة

أمام هذا المشهد الإنساني والرياضي النادر، يطرح واقع ترجي زناتة أكثر من علامة استفهام، ويستوجب وقفة جادة من الجهات الوصية والهيئات المعنية بتسيير الشأن الرياضي المحلي. فريق ينافس على الصعود، ويحمل اسم منطقة بأكملها، لا يمكن أن يُترك وحيدًا يصارع ويواجه الموسم بإمكانيات منعدمة. تسريع إجراءات تسوية الوضعية الإدارية وصرف الإعانة لم يعد مطلبًا ترفيهيًا، بل ضرورة عاجلة لضمان الحد الأدنى من الاستقرار، وردّ جزء بسيط من الجميل لهؤلاء الشبان الذين شرفوا ألوان ناديهم، وقدموا صورة مشرفة عن كرة القدم الهاوية، القائمة على التضحية والانتماء قبل كل شيء.

تحية وفاء لمن صنعوا المعجزة بصمت

في الختام، لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة عاليًا للاعبين الذين لعبوا من أجل الشعار لا الأجورللمدربين الذين آمنوا بالمشروع دون مقابل وللمسيرين الذين حملوا النادي على أكتافهم في أصعب الظروف ،ترجي زناتة ليس مجرد فريق كرة قدم هذا الموسم، بل قصة صمود، ودرس في الوفاء، ورسالة قوية لكل من يعتقد أن المال وحده يصنع النتائج.

سنينة. م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى