تحقيقات وروبورتاجات

أكاديمية بوشلاغم .. “فسيفساء رياضية لكل الأجيال”

في قلب ولاية قالمة، حيث يتنفس الشباب عشق الرياضة والتحدي، برزت مع مطلع عام 2024 تجربة استثنائية لم تكن مجرد إضافة عددية للخارطة الرياضية المحلية، بل كانت بمثابة ثورة بيضاء في مفاهيم التكوين القاعدي، إنها أكاديمية بوشلاغم الرياضية، هذا الصرح الذي تأسس برؤية تتجاوز حدود القاعات التقليدية، ليرسم مساراً أكاديمياً متكاملاً يبدأ من الخطوة الأولى للطفل وينتهي به في منصات الاحتراف العالمي، حيث نجح مسير هذه الشركة الرياضية والمربي المخلص محسن بوشلاغم في خلق بيئة مثالية تضع رياضة التايكواندو الأولمبية في قلب اهتماماتها، ليس فقط كنشاط بدني، بل كفلسفة بناء إنسان متكامل يجمع بين قوة الجسد، سمو الأخلاق، وحدة الذكاء، وهذا النجاح الذي نراه اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تخطيط دقيق جعل من هذه المنشأة في ظرف أشهر قليلة مرجعاً وطنياً يشار إليه بالبنان في جودة التكوين والنتائج الملموسة.

وتعتمد فلسفة هذه القلعة التكوينية التي يتبناها المربي محسن بوشلاغم على مبدأ “التكوين من الصفر”، وهو مفهوم تقني عميق يعني أن المدرسة تأخذ على عاتقها مسؤولية صقل الموهبة الخام منذ نعومة أظفارها، وتوجيهها عبر مراحل نمو رياضية مدروسة بعناية، فالمشارك في هذا الصرح لا يتلقى مجرد حصص تدريبية عشوائية، بل ينخرط في نظام بيداغوجي يراعي الفروق الفردية ويطور المهارات الحركية الأساسية، قبل الانتقال إلى التخصص الدقيق في فنون القتال، ومن هنا نجد أن المؤسسة أصبحت وجهة مفضلة للعائلات القالمية التي تبحث عن الجودة، والبيئة التربوية التي تحمي أبناءها وتغرس فيهم قيم الانضباط والصبر، فالنجاح الذي تحقق منذ الانطلاقة في 2024 هو في نظر الطاقم الإداري والفني مجرد ضربة البداية لمشروع ضخم يهدف لتحويل ولاية قالمة إلى خزان حقيقي للأبطال الذين سيمثلون الجزائر في المحافل الدولية الكبرى وعلى رأسها الألعاب الأولمبية.

 الرياضة كنمط حياة وصحة للجميع

وعند الدخول إلى أروقة النادي، تلمس ذلك التناغم الكبير بين مختلف الفروع الرياضية التي يقودها طاقم فني تم اختياره بعناية فائقة لضمان أعلى مستويات الأداء، حيث يشكل فرع الكاراتيه دو ركيزة أساسية داخل هذا الهيكل، ويشرف عليه الثنائي المتميز رضوان فصيح وزميله محمد ديفلي، اللذان يعملان بتنسيق تام لنقل خبراتهما الطويلة للأجيال الصاعدة، فرضوان فصيح يركز على الجوانب التقنية الدقيقة والكاتا، بينما يهتم محمد ديفلي بالجانب البدني والقتالي، مما يخلق توازناً فنياً يمنح الرياضي تكويناً شاملاً، وفي جانب آخر نجد الحماس يبلغ ذروته في فرع الكيك بوكسينغ تحت إشراف المدرب الشاب والطموح زكرياء بالكبير، الذي استطاع بفضل طاقته المتجددة أن يجذب فئة واسعة من الشباب، مغيراً نظرتهم لهذه الرياضة من مجرد قتال إلى فن يعتمد على السرعة، التوقيت، والروح الرياضية العالية، وهو يطمح لجعل هذا الفرع من أقوى الفروع على المستوى الوطني في المستقبل القريب.

رعاية الموهبة من الطفولة حتى منصات التتويج

ولا تتوقف شمولية هذا القطب الرياضي عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل الجانب النسوي برؤية عصرية تحترم الخصوصية وتلبي الاحتياجات الصحية والبدنية، حيث تسهر المدربة فتيحة عقيل على تقديم حصص الأيروبيك والياقة البدنية بأسلوب احترافي ساهم في خلق رواج كبير وسط نساء المنطقة، فالهدف هنا هو ترقية الممارسة الرياضية النسوية وجعلها أسلوب حياة يحارب الخمول ويحافظ على الصحة النفسية والجسدية، كما تخصص الأكاديمية أقساماً للياقة البدنية للرجال، مما يحول هذا الصرح الرياضي إلى عائلة كبيرة تجد فيها كل فئات المجتمع ضالتها، وهذا التنوع هو الذي منح المدرسة انتشاراً واسعاً وتأثيراً كبيراً عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت فيديوهات التدريب والنتائج المحققة مادة دسمة تلهم الشباب وتحفزهم على الانضمام لهذا المشروع الطموح الذي كسر الصورة النمطية للنوادي التقليدية.

أما عن الرؤية التقنية المستقبلية، فيكشف محسن بوشلاغم عن استراتيجية جريئة تتمثل في “رقمنة التدريب”، وهي الخطوة التي ستجعل من هذا المركز الرياضي قطب تميز إقليمي، حيث يتم التجهيز لاعتماد أحدث أنظمة التحكيم الإلكتروني من الجيل الثاني (KPNP)، وهي التقنية المستخدمة في كبرى بطولات التايكواندو العالمية، وهذا التوجه نحو التكنولوجيا يهدف لتعويد الرياضيين منذ صغرهم على ظروف المنافسات الدولية، لكسر حاجز الرهبة وضمان دقة النتائج، فالحلم هنا يتجاوز البطولات الولائية والوطنية ليصل إلى منصات التتويج الإفريقية والعالمية، فالإدارة تخطط أيضاً لتوسيع منشآتها لاستيعاب كل المواهب التي تنتظر دورها، حيث أن قائمة الانتظار تعكس بوضوح مدى الثقة التي كسبها الفريق في وقت قياسي، وهو ما يدفع المسيرين للعمل على توفير مساحات أكبر وتجهيزات أكثر حداثة تواكب تطلعات هؤلاء الأبطال الصغار.

وفي كلماته المؤثرة التي يوجهها لكل من له صلة بهذا النجاح، يخاطب محسن بوشلاغم رياضيه بلقب “الأبطال”، مذكراً إياهم بأن طريق الأولمبياد مرصوف بالانضباط والعمل الشاق وليس فقط بالموهبة الفطرية، فالبطل في هذا النادي هو من يلتزم بساعات التدريب، ويحترم مدربه، ويحافظ على روحه الرياضية في الخسارة قبل الربح، كما يتوجه برسالة طمأنة وامتنان للأولياء، مؤكداً لهم أن الأكاديمية هي الشريك الأمين في بناء شخصية أطفالهم، حيث أن التربية تسبق الرياضة في سلم أولوياتنا، والهدف هو صناعة مواطن صالح ومنضبط يخدم مجتمعنا، أما بالنسبة لمن لم يلتحق بعد، فالرسالة واضحة: “أبوابنا مفتوحة لكل صاحب طموح، فنحن هنا لا نبيع الوهم، بل نصنع مساراً حقيقياً يبدأ من الصفر ويصل إلى قمة الاحترافية.”

 حين يتحول التكوين إلى فلسفة بناء إنسان

إن أكاديمية بوشلاغم الرياضية تحت قيادة محسن بوشلاغم، وبمساهمة رضوان فصيح، محمد ديفلي، زكرياء بالكبير، وفتيحة عقيل، أصبحت اليوم بمثابة القلب النابض للرياضة في قالمة، فهي تجربة نموذجية تثبت أن الإدارة الرياضية الحديثة إذا اقترنت بالصدق في الممارسة والاحترافية في التأطير، يمكنها أن تحقق في عامين ما تعجز عنه نوادٍ عريقة في عقود، إنهم يرفعون شعاراً يتجسد واقعاً كل يوم: “نحن لا ننتظر المستقبل، بل نصنعه بأيدينا”، وبفضل هذا الإصرار، سيبقى اسم هذه المدرسة محفوراً في ذاكرة الرياضة الجزائرية، كقصة نجاح بدأت من حلم صغير وكبرت لتصبح مصنعاً للأبطال ومنارة للتميز الذي لا يعرف الحدود، ولتظل قالمة فخورة بهذا الصرح الذي يعد بمستقبل مشرق يتجاوز كل التوقعات والآفاق.

ختاماً، إن المتابعة الدقيقة لكل رياضي، والحرص على التفاصيل التقنية الصغيرة، هي ما يجعل من هذا الكيان الرياضي صرحاً لا يضاهى، فكل حركة “تايكواندو” أو “كاراتيه” تخرج من تحت إشراف هذا الطاقم، هي خطوة نحو منصة تتويج عالمية، فالاستثمار الحقيقي هنا هو الاستثمار في الإنسان، وفي قدرة الشاب الجزائري على التحدي إذا وجد التأطير الصحيح والبيئة المحفزة، ولأن الأحلام الكبيرة تبدأ بخطوات واثقة، فإن أكاديمية بوشلاغم قد خطت بالفعل أولى خطواتها نحو العالمية، تاركة خلفها بصمة إيجابية في حياة مئات الرياضيين الذين وجدوا في هذه القاعة ليس فقط مكاناً للتدريب، بل وطناً ثانياً يمنحهم الثقة والقوة لمواجهة المستقبل بكل تفاؤل وإصرار.

حليمة. خ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى