نادي أبطال الجزائر … مسيرة عقدين من التميز الرياضي
تعتبر ولاية أم البواقي، بقلبها الأوراسي النابض، خزاناً لا ينضب للمواهب الرياضية التي لطالما رفعت الراية الوطنية عالياً، لكن حين نتحدث عن رياضة الكاراتيه والفنون القتالية في هذه الولاية، فلا يمكن تجاوز صرح رياضي تحول مع مرور السنين إلى “ماركة مسجلة” للنجاح، وهو نادي “أبطال الجزائر”، فداخل قاعات التدريب التي لا تهدأ حركتها، يُكتب كل يوم فصل جديد من فصول التحدي والإصرار، حيث لا يقتصر الأمر على مجرد حركات تقنية أو نزال فوق البساط، بل هو بناء للإنسان وصياغة للبطل الذي يولد من رحم المعاناة وشح الإمكانيات، ليتحول إلى رقم صعب في المعادلة الرياضية الدولية، في مشهد يعكس إرادة مدرسة كافحت لأكثر من عشرين سنة لتبني لنفسها مجداً يتردد صداه من جبال الأوراس وصولاً إلى كبرى العواصم العالمية، مثبتة أن الإرادة القوية، حين يقودها فكر أكاديمي وتجربة عالمية، قادرة على قهر المستحيل وترويض الذهب في أصعب الظروف.
قاعدة شبانية واسعة تصنع أبطال الغد
وتعود جذور هذا الصرح الرياضي الشامخ إلى العشرين من مارس عام 2004، وهو التاريخ الذي شهد ولادة نادي “أبطال الجزائر” بأم البواقي برؤية استراتيجية لم تكن تقبل بأقل من الريادة والتميز، حيث تم اختيار هذا الاسم “أبطال الجزائر” ليكون بمثابة العقد المعنوي والهدف الأسمى والمسؤولية الملقاة على عاتق كل من يرتدي بذلة النادي ويلتحق بصفوفه، فمنذ اليوم الأول، لم يكن الطموح منحصراً في ممارسة النشاط الرياضي فحسب، بل في التكوين القاعدي السليم الذي يصنع أبطالاً حقيقيين، واليوم، وبعد مسيرة دامت عقدين من الزمن من العطاء المستمر، تفتخر إدارة النادي بأن هذه الرؤية قد تحققت ميدانياً بنسبة مذهلة، حيث أن 80 بالمئة من رياضييها قد توجوا فعلياً بلقب أبطال الجزائر في مختلف الأصناف والأعمار، بفضل سياسة التدريب الممنهجة التي تتبعها رئيسة النادي والبطلة العالمية السيدة حني أمينة، التي نجحت في بناء جيل تقني رفيع المستوى يضم مدربين هم في الأصل من أبناء النادي الذين تدرجوا في فئاته الصغرى، والذين أصبحوا اليوم مدربين أكاديميين وجامعيين متخصصين في علوم الرياضة، مما جعل العمل القاعدي يسير وفق أسس علمية صحيحة تضمن صقل المواهب وانتقاء الأفضل لتمثيل الجزائر في اختصاصي “الكاطا” و”الكوميتي” بكل احترافية واقتدار.
الأخلاق والإنضباط… أساس كل بطل
إن لغة الأرقام والتتويجات التي حققها النادي على مدار السنوات الماضية تتحدث عن نفسها بكل فخر، ففي عام 2023 تربع النادي على العرش الوطني في اختصاص “الكاطا” لرياضة “الكوشيكي”، وهو الإنجاز الذي مهد الطريق لمشاركة دولية باهرة بجمهورية بولندا، وذلك بناءً على دعوة رسمية وتزكية من طرف الاتحادين العالمي والعربي للأندية، وهناك، وسط منافسة شرسة ضمت أعرق المدارس العالمية، برهن أبطال أم البواقي على علو كعبهم بافتكاك المرتبة الأولى دولياً، ولم يتوقف هذا الزخم التصاعدي عند هذا الحد، بل تواصل في صيف 2025 بانتزاع المرتبة الأولى في البطولة الوطنية لرياضة “الكاجوكنبو” بمجموع مذهل وصل إلى 29 ميدالية ملونة، ولعل العلامة الفارقة التي ستبقى محفورة في تاريخ النادي هي لقب بطلة العالم الذي حققته إحدى رياضيات المدرسة في روسيا عام 2022، مما يؤكد أن مدرسة السيدة حني أمينة باتت مصنعاً حقيقياً للأبطال الدوليين والأفارقة الذين لا يرضون بغير منصات التتويج بديلاً، بفضل الانضباط الصارم والروح القتالية العالية التي تُعد جزءاً لا يتجزأ من ثقافة النادي اليومية.
حني أمينة… قيادة بالخبرة والشغف
وبالرغم من هذا السجل المرصع بالذهب والإنجازات التي شرفت الراية الوطنية، يصطدم نادي “أبطال الجزائر” بواقع مادي يوصف بالمرير والصعب، حيث تؤكد إدارة النادي بمرارة أن الدعم المادي من السلطات المحلية يكاد يكون معدوماً تماماً، وفي ظل الغياب الكلي للممولين الخواص أو ما يعرف بـ “السبونسر”، يجد النادي نفسه في معركة يومية لتأمين تكاليف التنقل الباهظة والمشاركة في مختلف البطولات الوطنية والدولية، فضلاً عن أعباء إدارة وتجهيز القاعات بالوسائل الضرورية التي تليق بمستوى أبطال عالميين، مما يؤثر سلباً على تنفيذ البرامج المسطرة ويحول دون الوصول إلى آفاق أرحب، ويبقى الدعم الوحيد الذي يتنفس من خلاله النادي هو تلك المساهمات البسيطة والمبادرات التضامنية من أولياء الرياضيين الذين يؤمنون برسالة المدرسة، وفي هذا الصدد، ترفع إدارة النادي صوتها عالياً للتنديد بما وصفته “التقسيم غير العادل” لإعانات مديرية الشباب والرياضة، حيث ينتقدون مساواة النادي المنتج للأبطال العالميين بالأندية غير النشطة، وهو ما يعتبرونه إجحافاً كبيراً يحد من عزيمة الرياضيين ويضع عقبات أمام تطوير المواهب الشابة التي تزخر بها ولاية أم البواقي.
تشجيع الرياضة النسوية ورفع راية المرأة الجزائرية
إلى جانب التميز التقني والتنافسي، يضع نادي “أبطال الجزائر” الأهداف التربوية والاجتماعية في صدارة أولوياته، وعلى رأسها تشجيع الرياضة النسوية التي باتت تشكل نسبة كبيرة جداً من تعداد منخرطي النادي، حيث نجحت المدرسة في كسر الصورة النمطية وتخريج بطلات عالميات وإفريقيات يمثلن قدوة للمرأة الجزائرية الطموحة، كما يعمل النادي كحصن منيع لاحتضان الشباب والمراهقين وحمايتهم من سموم الآفات الاجتماعية، من خلال تكثيف البرامج التدريبية التي تزرع فيهم قيم الانضباط والتحمل، وتوجيه اهتمامهم نحو التوفيق بين التحصيل الدراسي والتميز الرياضي، فالهدف الأسمى بالنسبة للسيدة حني أمينة وطاقمها هو اكتشاف المواهب وصقلها للبقاء دائماً في الصفوف الأولى، وتحويل القاعة الرياضية إلى مدرسة للحياة يتعلم فيها الشاب كيف يواجه الصعاب بروح رياضية وأخلاق عالية، مما يساهم في بناء جيل متوازن بدنياً ونفسياً وقادر على خدمة وطنه في مختلف الميادين.
الرياضة كمدرسة للحياة والشخصية
وفي الختام، يظل نادي “أبطال الجزائر” بأم البواقي نموذجاً حياً للتحدي الذي يقهر شح الإمكانيات، فبالرغم من كل العقبات المادية والبيروقراطية، يواصل الطاقم الفني والإداري رحلته بكل ثقة وإصرار، واضعين نصب أعينهم هدفاً واحداً لا يتغير وهو تشريف الجزائر ورفع رايتها عالياً في كل المحافل الدولية، ومع وجود رئيسة بوزن البطلة العالمية حني أمينة، فإن سقف التوقعات سيبقى مرتفعاً دائماً، والرهان يظل قائماً على تلك السواعد السمراء التي ترفض الانكسار وتؤكد في كل مرة أن التتويج بالذهب ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة عمل دؤوب وتخطيط محكم بدأ منذ عام 2004 ولا يزال مستمراً، سائلين الله التوفيق والسداد لمواصلة تقديم الأفضل لشباب الولاية الرابعة وللجزائر قاطبة، ولتبقى مدرسة “أبطال الجزائر” منارة تضيء طريق النجاح لكل طامح في معانقة المجد الرياضي العالمي.
حليمة. خ




