حوارات

عبد المنعم يحياوي  (البطل السابق في رياضة رفع الأثقال): “نجحت في كل معاركي الرياضية، وفشلت في معركة علاج إبني”

هناك أسماء في تاريخ الرياضة الجزائرية تُذكر، فتستحضر معها صور المجد والإنجاز، وهناك أسماء قليلة أصبحت هي نفسها مرادفًا للتاريخ، عبد المنعم يحياوي ينتمي إلى هذه الفئة النادرة، فهو ليس مجرد بطل حصد الميداليات، بل مدرسة في الإرادة، ورمز لجيل من الرياضيين الذين صنعوا الذهب من رحم المعاناة، ورفعوا اسم الجزائر عاليًا في وقت كانت فيه الإمكانيات شبه منعدمة، مسيرته ليست مجرد أرقام في سجلات، بل ملحمة وطنية، وقصة كفاح بدأت من “بريكة” لتصل إلى قمة المجد المتوسطي، وتُلهم أجيالًا من بعده.  في هذا الحوار الاستثنائي، الذي خصّ به “بولا”، يتحدث عبد المنعم يحياوي، ليس فقط بصفته الربّاع الذي قهر الحديد، بل بصفته المدرب الذي صنع الأبطال، والأهم من ذلك، بصفته الأب الذي يقاتل من أجل كرامة ابنه.

الكل يعرف أنك بدأت من مدينة “بريكة” بإمكانيات بسيطة جداً وصنعت المستحيل، لو عدنا للوراء، ما هو الشيء الذي كان موجوداً في تلك الصالة الصغيرة ولم تجده في أكبر قاعات الرياضة في العالم؟

“في الحقيقة، أنا تدربت في ثمانينيات القرن الماضي في قاعة بسيطة جداً بوسائل وعتاد أقل ما يقال عنه أنه متهالك ولا يصلح لممارسة رفع الأثقال، لكن الشيء الذي وجدته في هذه القاعة أنني كنت أتدرب في مكان لم يكن به أبطال على المستوى الدولي، فلم يكن في تلك الفترة ولا رياضي واحد شارك في بطولة إفريقيا، وأفضل رياضي كان بطلاً للجزائر، الشيء الذي لفت انتباهي هو العزيمة والإرادة التي كان يتمتع بها بعض الرياضيين، حتى وإن لم تكن تسمح لهم إمكانياتهم المورفولوجية ولا البدنية بالنجاح في هذه الرياضة، لقد تعلمت منهم الإرادة وحب التغلب على الصعاب رغم النقص الكبير في جميع الإمكانيات، سواء المادية منها أو حتى التقنية، وهذا هو الشيء الذي جعلني أنجح رغم الصعوبات والعراقيل على امتداد مسيرتي الرياضية.”

خضت معارك أولمبية وأخرى إنسانية لعلاج ابنك، أيهما صقل شخصية “البطل” بداخلك أكثر؟

“في الحقيقة، بالنسبة لهذا السؤال، أستطيع أن أقول إنني نجحت في جميع المعارك الرياضية التي خضتها من أجل تشريف الوطن، ولا أحد استطاع أن يثني عزيمتي وإصراري، رغم العراقيل، عن أن أرفع راية الجزائر عالياً، ولكنني في ما يخص الحرب الإنسانية التي أخوضها من أجل علاج ابني، فأنا أقر أنني لحد الآن قد فشلت في ذلك، تصوري أنني منذ عودتي من العلاج بتركيا وأنا أتحمل لوحدي جميع مصاريف العلاج، وهي تكاليف كبيرة لا يستطيع عليها رب عائلة.”

في خضم هذا الألم، هل كان هناك أي دعم رسمي؟

“لا يسعني في هذا المقام إلا أن أتذكر لفتة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الذي تكفل بنقل ابني للعلاج في الخارج، ليس لأنه ابني ولكن لأنه ابن الجزائر وتلقى إصابة وهو يحاول رفع علم الجزائر، ولكن للأسف، المسؤولون لم يواكبوا لفتة السيد الرئيس، وتركوه يواجه مصيره هو وعائلته، وتخلوا عن واجباتهم، لن أنسى ما قام به السيد الرئيس تجاه ابني ما حييت. وعليه أقول إن من صقل شخصيتي أكثر وجعلني أعرف معنى أن تتعب وتقاسي لوحدك هو الجانب الإنساني في علاج ابني.”

بالعودة إلى الرياضة، بعد عقود من التتويج، هل ترى أن رياضة رفع الأثقال في الجزائر تحولت من “مدرسة للأبطال” إلى مجرد “نشاط موسمي”؟

“في الحقيقة، بعد عقود من النتائج الكبيرة، لاحظت بأن ما ينقصنا هو الحصول على ميداليات عالمية، وللحصول على ذلك يجب تغيير أساليب العمل مع الشباب، فبنفس طريقة العمل لا يمكن الحصول على نتائج عالمية، بل في أحسن الأحوال الحصول على بطولة إفريقية في غياب منافسين من الفريق المصري، انتظرت حتى 2009 لأُمنح أول فرصة لتدريب المنتخب النسوي.”

لكنك رغم ذلك قررت خوض معركة التدريب، كيف كانت تلك التجربة؟

“قررت أن أنسحب من تدريب السيدات لأدرب الذكور لأقل من 17 سنة، وكان من بينهم فرج الله حسين، عليه رحمة الله، وبيداني وليد، قمت بعمل قاعدي كبير، وكنت أريد أن أغير أفكار الرياضيين فأقنعتهم بأن العمل وحده من يمكننا من بلوغ المستوى العالمي، لكن للأسف، في منتصف الطريق، تم نزع الرياضيين فرج حسين وبيداني وليد من الفريق وتحويلهم إلى الأكابر، وهذه من الأخطاء الكبيرة التي جعلتني أقدم استقالة لأنني أحسست أن هناك من يستغل تعبي وجهدي.”

رغم هذه العراقيل، عدت وحققت إنجازات تاريخية كمدرب، حدثنا عن تلك الفترة...

“بعد 2013، عينت كمدرب للمستوى العالي، وتحصلت على نتائج جيدة، وفي نفس السنة، وبدون الإمكانيات المطلوبة، شاركت في بطولة العالم في ليما، وتحصل الرباع حسين فرج الله على أول ميدالية برونزية تاريخية، وتوالت النتائج، فأضفت ثلاث ذهبيات سنة 2015 بواسطة الرباع أيمن طويري، أول بطل عالمي في تاريخ رفع الأثقال الجزائرية، وقُدت نفس الرباع للحصول على برونزية في بطولة العالم بطوكيو 2017، لقد عانينا كثيراً من أجل تحقيق هذه النتائج العالمية.”

كتابك “حياة من حديد”، هل هو مجرد سيرة ذاتية، أم محاكمة علنية لواقع رياضي لم ينصفك؟

“بالنسبة لكتاب “حياة من حديد”، هو بالفعل سيرة ذاتية تطرقنا فيه لواقع بسيط، أقل ما يقال عنه إنه غير منصف حقاً، وكل ما تطرقنا له هو عبارة عن جزء بسيط فقط. بعد البطولة الإفريقية السابقة، لم نرَ الرباع فرج الله سمير، ثم غاب الشاب شخشوخ كذلك بسبب الإصابة، وعليه أنصح الرياضيين بالحفاظ على صحتهم.وفي الأخير أشكركم على إتاحة هذه الفرصة لي لأعبر عن رأيي فيما يجري في رياضتنا، والكشف عن بعض الحقائق التي قد تنير الرؤية لبعض المسؤولين لتصحيح الوضع قبل فوات الأوان.”

حاورته: حليمة. خ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى