يونس عياشي لـ “بولا”: “رقمي في بلجيكا مجرد محطة.. وعيني على الذهب العالمي”
في رياضة لا تعترف إلا بمن يكسرون قانون الجاذبية، نجح الشاب يونس عياشي (مواليد 2008) في تحويل الأنظار العالمية صوب بلدية “ملبو” بجاية، ومنها إلى الجزائر. بطلنا الطائر، الذي اختارته جمعية “أوال إسوال” شخصية الأسبوع، لم يكتفِ بانتزاع الميدالية الفضية في ملتقى بلجيكا الدولي 2026، بل بصم على “قفزة تاريخية” بعلو 2.26 متر، محطماً الرقم الوطني لفئة أقل من 20 سنة، ومسجلاً أفضل نتيجة عالمية لهذا العام في فئته. عياشي، الذي بات ثالث أفضل رقم في تاريخ الجزائر (أكابر)، يفتح قلبه لـ “بولا” في هذا الحوار الحصري ، ليكشف لأول مرة عن كواليس “الخلطة الصربية” التي صنعت تفوقه، وسر الموازنة بين الدراسة بالإنجليزية وطموح الصعود إلى منصات التتويج العالمية.
حققت رقماً وطنياً قياسياً (2.26 م) ببلجيكا في إنجاز أدهش المتابعين؛ ضعنا في الصورة، كيف تم التحضير التقني والبدني لهذه القفزة التاريخية؟
“التحضير كان في المستوى المطلوب وباحترافية عالية، حيث سطرنا برنامجاً دقيقاً استهللنا فيه الموسم التحضيري هنا في الجزائر، مستفيدين من توفر كل الإمكانيات والمنشآت اللازمة، حيث تدربنا بملعب 5 جويلية الملحق، والمركز الوطني للجيش ببن عكنون، وقاعة الجمباز بباب الزوار. وبهذه المناسبة، أود أن أتقدم بجزيل الشكر لوزارة الشباب والرياضة وعلى رأسها السيد الوزير الذي حرص على توفير كل الظروف الملائمة، وكذلك الاتحادية الجزائرية لألعاب القوى. بعد المرحلة الأولى في الجزائر، وضعنا برنامجاً سنوياً مع المدرب يتضمن عدة معسكرات ومنافسات دولية، حيث كان أول معسكر لنا في بولندا ثم ألمانيا، وتخللته بطولات قوية من بينها ملتقى بلجيكا الذي شهد هذا الإنجاز.”
هذا الرقم لم يحطم رقماً وطنياً فحسب، بل وضعك ضمن أفضل 10 أرقام عالمياً (أكابر) لهذا الموسم؛ كيف يتعامل شاب في سنك مع هذا التصنيف العالمي الثقيل؟
“من المهم جداً التذكير بأن التصنيف يتغير طوال الموسم حسب المنافسات الدولية المختلفة، وتواجدي حالياً ضمن الأوائل عالمياً هو أمر محفز ومشجع جداً لي ولطاقمي الفني، ويعطينا شعوراً بأننا نسير في الطريق الصحيح. ومع ذلك، أحاول دائماً ألا يكون هذا الرقم هو غايتي النهائية؛ فتركيزي الأساسي هذا الموسم يبقى منصباً على البطولة العالمية للشباب، وهي الهدف الأهم بالنسبة لي، وأسعى لأن أصل إليها في ذروة جاهزيتي البدنية والذهنية لتحقيق نتيجة تشرف الجزائر.”
لاحظنا تطوراً مذهلاً في رشاقتك وانسيابية القفز لديك؛ ما هو العنصر الذي اشتغلت عليه أكثر هذا الموسم: الجانب التقني، القوة البدنية أم الجانب الذهني؟
“عملنا أنا ومدربي على عدة عناصر أساسية بشكل متوازي، خاصة الجانبين البدني والتقني اللذين يعتبران ركيزة القفز العالي. المنعرج الحقيقي كان المعسكر الذي أجريناه في بولندا؛ لقد كان فرصة ذهبية للالتقاء بمدرب عالمي من صربيا، حيث تواصل معه مدربي وتم تبادل أفكار وخبرات تقنية دقيقة جداً تخص تدريبات القفز العالي العالمية، وهو ما انعكس إيجابياً وبشكل مباشر على أدائي فوق البساط ومنحني تلك الانسيابية التي شاهدتموها في بلجيكا، حيث تجاوزت جميع الارتفاعات من المحاولة الأولى.”
المنافسة خارج القطر الوطني دائماً ما تكون مغايرة تماماً وتتطلب ثباتاً انفعالياً كبيراً؛ ماذا تعلم يونس عياشي من مشاركته في ملتقى دولي بحجم ملتقى بلجيكا؟
“أكيد، المنافسات خارج الجزائر تختلف كثيراً من حيث المستوى الفني، نوعية المنافسين، وحتى التنظيم الصارم. بالنسبة لي، هذه المشاركات هي تجارب محفزة للغاية، فهي تمنحني الثقة في قدراتي وتساعدني على اكتساب خبرة أكبر والتعود على أجواء المنافسات الدولية الكبرى والضغوطات التي ترافقها. الشعور بأنك تواجه أبطالاً من مختلف المدارس العالمية يجعلك ترفع من سقف طموحاتك وتبذل مجهوداً مضاعفاً لتثبت أن العامل الجزائري قادر على التفوق.”
يخشى الفنيون دائماً من “الاحتراق المبكر” للمواهب الصاعدة؛ هل تعملون على برنامج خاص لضمان انتقالك من فئة الأشبال إلى الأواسط (U20) دون استعجال؟
“نعم، أنا أعمل مع مدربي وفق برنامج مدروس بعناية شديدة. مدربي يدرك جيداً أنني أمتلك قدرات عالية، لكنه في المقابل يرفض استعجال النتائج ويحرص على التدرج في “الحمل التدريبي”. هذا التوجه هو محل اتفاق تام بين مدربي والمدرب الصربي، والهدف الأساسي هو ضمان تطور صحي ومتوازن، حتى نصل إلى فئة الأكابر وأنا في قمة عطائي البدني دون إصابات أو إرهاق نفسي، فنحن نخطط للمدى الطويل وليس لمجرد إنجاز لحظي.”
بعد أن حطمت رقمك الشخصي السابق (2.21 م) ولامست حاجز الـ 2.26 م من المحاولة الأولى؛ ما هو الهدف الذي تضعه بين عينيك الآن في المواعيد القادمة؟
“الهدف القريب والآني هو الاستمرار في العمل لتحسين الرقم المسجل حالياً وكسر حاجز الـ 2.26 متر مجدداً للوصول إلى أرقام تضمن لي التأهل لمونديال الأكابر. أما الهدف الأكبر والمقدس الذي أضعه كبوصلة لكل تدريباتي، فهو الفوز بلقب البطولة العالمية للشباب، ورفع الراية الوطنية عالياً في المحافل الدولية، وتشريف كل من آمن بموهبتي منذ البداية، خاصة وأنني أصبحت على بعد سنتيمترات قليلة من الحد الأدنى لبطولة العالم داخل القاعة.”
كيف يستطيع يونس عياشي الموازنة بين متطلبات الدراسة باللغة الإنجليزية وبين حياة الرياضي المحترف المليئة بالسفر والتدريبات الشاقة؟
“أنا مسجل في الدراسة باللغة الإنجليزية، والحقيقة أن هذا الخيار ساعدني كثيراً في تنظيم وقتي وتوسيع مداركي العلمية. التوفيق بين متطلبات التدريب الاحترافي وبين الدراسة ليس سهلاً، لكنني أحرص على الحفاظ على توازن جيد في حياتي اليومية. الانضباط الذي تعلمته من الرياضة أطبقه في دراستي، وهذا الاستقرار هو ما يمنحني الراحة النفسية اللازمة للتألق فوق بساط القفز العالي، فالرياضي المثقف هو الأقدر على فهم تفاصيل رياضته وتطوير نفسه.”
حاورته: حليمة خطوف




