حماية التراث المعماري الجزائري.. مسؤولية الجميع
تواصل الدولة الجزائرية عبر مؤسساتها حماية التراث المعماري، لكن هذه المهمة لا يمكن أن تنجح دون انخراط المجتمع بكل مكوّناته. فالمعمار، في نهاية المطاف، ليس ملكًا للإدارة، بل ملكًا جماعيًا، يرتبط بذاكرة الناس اليومية، وبعلاقتهم بالمكان الذي يسكنونه. لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يهدد التراث المعماري ليس فقط عوامل الزمن، بل اللامبالاة، وسوء الفهم، والنظر إلى المباني القديمة باعتبارها عائقًا أمام التنمية.
هذه النظرة الاختزالية تغفل حقيقة أساسية مفادها أن التنمية الحقيقية لا تقوم على الهدم، بل على التكامل بين الماضي والحاضر. إن حماية التراث تتطلب أولًا وعيًا جماعيًا بقيمته، يبدأ من المدرسة، ويمر عبر الإعلام، ويترسخ في السياسات العمومية. فحين يدرك المواطن أن البيت العتيق، أو الزقاق القديم، أو الزخرفة المعمارية، ليست مجرد حجر، بل جزء من هويته، يتحول تلقائيًا إلى فاعل في الحماية، لا متفرجًا على التدهور. كما يبرز دور المعماريين والمهندسين في تبنّي مقاربات تحترم السياق التاريخي، وتبتعد عن الحلول السهلة التي تشوّه الفضاءات العتيقة باسم التحديث.
فالتدخل في التراث يتطلب معرفة دقيقة، وحساسية ثقافية، وقدرة على الإصغاء للذاكرة قبل رسم المخططات. ولا يمكن إغفال دور المجتمع المدني، والجمعيات الثقافية، في لفت الانتباه إلى المخاطر، وتنظيم مبادرات ميدانية، وإعادة ربط الأجيال الشابة بتراثها المعماري عبر أنشطة تربوية وفنية. فالمعركة الحقيقية ليست تقنية فقط، بل معركة وعي وانتماء.
إن التراث المعماري الجزائري يقف اليوم على مفترق طرق: إما أن يُترك عرضة للإهمال والسطو والتشويه، أو أن يُعاد إدماجه في مشروع وطني شامل، يرى فيه ركيزة للهوية، ورافعة للتنمية، وجسرًا يربط الماضي بالمستقبل. والاختيار، في جوهره، ليس إداريًا، بل حضاري.
يوسف زكريا



