قبل ساعات من المواجهة المرتقبة بين المنتخبين الجزائري والنيجيري، في واحدة من أقوى قمم الكرة الإفريقية، تحدث مساعد مدرب نيجيريا السابق، التونسي نبيل الطرابلسي، في حوار خاص لجريدة بولا قدّم فيه قراءة تقنية دقيقة لمشوار “الخضر” في كأس أمم إفريقيا، وأشاد بالتحول الكبير الذي أحدثه المدرب فلاديمير بيتكوفيتش وطاقمه، كما تطرق إلى نقاط قوة وضعف منتخب نيجيريا، والبعد الذهني المرتبط بثأر 2019، إضافة إلى الجانب البدني قبل مباراة اليوم.
الطرابلسي، الذي يعرف الكرة النيجيرية عن قرب، بحكم سنوات عمله هناك، تحدث بثقة العارف، وبنبرة المحلل، وبعاطفة لا يخفيها تجاه المنتخب الجزائري. يذكر أن نبيل الطرابلسي شارك في كأس أفريقيا 2025 مع منتخب البنين و غادر البطولة من الدور ثمن النهائي عقب الهزيمة ضد المنتخب المصري في الأشواط الإضافية، حيث استغل مساعداً للمدرب الألماني غيرنوت روهر الذي عمل مساعدا له أيضا في منتخب نيجيريا لسنوات و واجه الخضر في كان 2019 في مصر.
كيف ترى مردود المنتخب الجزائري في كأس أفريقيا حتى الآن؟
“ما يقدمه المنتخب الجزائري في هذه البطولة لا يمكن اختصاره في نتيجة أو مباراة واحدة. منذ الدور الأول، لاحظنا فريقًا يلعب بعقلية جماعية واضحة، بروح قتالية عالية جدًا، وبتركيز ذهني كبير، الجزائر لا تلعب فقط كرة قدم جميلة، بل تلعب كرة قدم منظمة، منضبطة، ومدروسة، وهذا يظهر في كل التفاصيل الصغيرة داخل الملعب، الأداء كان كبيرًا في مختلف الخطوط، الدفاع، الوسط، والهجوم، وحتى عندما ننظر إلى دكة البدلاء، نجد أنها عنصر قوة حقيقي، وليست مجرد أسماء مكملة، هذا يعكس عمق التشكيلة وجودة العمل التحضيري.”
و كيف ترى تأثير المدرب بيتكوفيتش؟
“بلا شك، التأثير الذي أحدثه فلاديمير بيتكوفيتش وطاقمه واضح جدًا، نحن نتحدث عن مدرب يملك تجربة كبيرة، يعرف كيف يبني فريقًا، وكيف يفرض هوية لعب دون أن يقيّد اللاعبين، إلى جانبه، هناك عمل كبير من كامل الطاقم، محلل الفيديو، المساعدين، وكل من يشتغل في الظل، وجود أسماء مثل نبيل نغيز، إلى جانب العمل الدقيق لمحلل الفيديو عقون، سمح للمنتخب الجزائري بقراءة المنافسين جيدًا، والتعامل مع كل مباراة حسب معطياتها، وليس بطريقة نمطية، بيتكوفيتش مدرب كبير.
وأعرفه عن قرب بحكم عملي وتواجدي في ألمانيا، مدرب كبير بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ترك بصمته أينما عمل، سواء مع منتخب سويسرا، أو مع لاتسيو، واليوم مع المنتخب الجزائري، ما فعله مع الجزائر هو أنه نقل الفريق إلى مستوى آخر، ليس فقط من حيث التكتيك، بل من حيث العقلية. الفريق أصبح يعرف متى يضغط، متى يدافع، ومتى يتحكم في نسق اللعب. حتى الكوتشينغ أثناء المباريات كان محكمًا جدًا…بيتكوفيتش ليس مدربًا ديكتاتوريًا، هو شخص يستمع للجميع، يتبادل الآراء مع طاقمه، ويشتغل بعقلية جماعية، وهذا عنصر أساسي في نجاح أي مشروع رياضي، الجميع في أوروبا يحترمه كثيرًا بسبب كفاءته، خبرته، وطريقته الهادئة في العمل، ما يعجبني فيه أيضًا أنه لا يتأثر بما يُقال في الإعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي. لا يستمع للانتقادات، ولا يشتت تركيزه، يعمل في صمت، وهذا ما يمنحه استقرارًا كبيرًا..”
كيف تعلق على أداء الجزائر في المباراة السابقة ضد الكونغو الديمقراطية الديموقراطية؟
“تجاوز الكونغو الديمقراطية لم يكن سهلًا على الإطلاق، بل كان من أصعب مباريات البطولة، الكونغو منتخب يلعب كرة قدم جميلة، يملك لاعبين ممتازين، ويلعب بروح كبيرة جدًا. شاهدته عن قرب في مباريات قوية أمام نيجيريا والكاميرون، وكان دائمًا خصمًا معقدًا، الفوز عليه، وفي مباراة امتدت إلى 120 دقيقة، يُحسب كثيرًا للمنتخب الجزائري، لأنه أظهر شخصية قوية، وصبرًا تكتيكيًا، وقدرة على التعامل مع الضغط، وهذا لا يتحقق إلا بوجود مدرب يعرف كيف يدير مثل هذه المواعيد…”
ما الذي لفت انتباهك أكثر في المنتخب الجزائري خلال هذه البطولة؟
“الروح قبل كل شيء، هذه الروح الكبيرة ذكّرتني كثيرًا بمنتخب 2019 في مصر مع جمال بلماضي. نفس القتالية، نفس الإصرار، ونفس الإحساس بأن اللاعبين يقاتلون من أجل بعضهم البعض، إضافة إلى ذلك، هناك قراءة ممتازة للمباريات، وذكاء في استغلال دكة البدلاء، عندما ترى لاعبًا مثل بولبينة، قادمًا من كأس العرب، يدخل لبضع دقائق فقط ويسجل هدف الفوز، تفهم أن العمل ذهنيًا ونفسيًا كان كبيرًا، ولا يمكن تجاهل الدور المحوري لرياض محرز، سواء داخل الملعب أو خارجه، بخبرته، قيادته، وتأثيره على المجموعة، كما أن احترافية الاتحاد الجزائري، خاصة في الجانب اللوجستي، لها تأثير كبير جدً، توفير كل الظروف، الاهتمام بالتفاصيل، الراحة، السفر، الإقامة… كلها عوامل تصنع الفارق في مثل هذه الدورات القصيرة، حيث الإرهاق والضغط يكونان كبيرين…”
تعرف منتخب نيجيريا جيداً، كيف ترى هذا المنافس؟
“منتخب نيجيريا قوي جدًا، ويعتمد كثيرًا على المساحات بسبب الفرديات القوية التي يملكها، فيكتور أوسيمين، لوكمان، وأدامز، مهاجمون قادرون على صنع الفارق في أي لحظة، لهذا، لا يجب ترك فرص واحد ضد واحد لهم، لأن ذلك قد يكون قاتلًا، لكن في المقابل، أرى أن خط الدفاع النيجيري هش نوعًا ما، وإذا تمكنت الجزائر من التسجيل أولًا، فستُربك حسابات نيجيريا بشكل كبير…”
هل ما زال نصف نهائي 2019 حاضرًا في ذهن النيجيريين؟
“نعم، وبقوة، نيجيريا لم تنسَ هزيمة 2019 إلى اليوم. عدد كبير من اللاعبين الذين شاركوا في تلك المباراة لا يزالون موجودين، لدي أصدقاء نيجيريون كُثر، ولا يزالون يتحدثون عن تلك المباراة وعن ذلك الهدف، الطاقم الفني النيجيري سيستغل هذا العامل لتحفيز لاعبيه، وفي مثل هذه البطولات، العامل الذهني قد يكون حاسمًا بقدر العامل الفني…”
بعد 120 دقيقة ضد الكونغو الديمقراطية، هل ترى أن المنتخب الجزائر سيتأثر بدنيا؟
“من الطبيعي أن نطرح هذا السؤال، الجزائر لعبت 120 دقيقة ضد الكونغو، في حين أن نيجيريا تأهلت بأريحية، لكن الاسترجاع هو نقطة التحول، وأنا متأكد أن الطاقم الفني الجزائري أولى لهذا الجانب أهمية كبيرة، إضافة إلى احترافية اللاعبين أنفسهم…”
في الختام، أعطيني توقعاتك للنتيجة؟
“لو تحدثنا بالعاطفة، أتمنى الفوز للجزائر، لكن نيجيريا ليست منتخبًا سهلًا أبدًا، أعرف لاعبيها جيدًا، لوكمان وأوسيمين بمثابة أبنائي، قضيت سنوات طويلة في نيجيريا، ومع ذلك، أتمنى أن تكون الكلمة الأخيرة للمنتخب الجزائري..”
حاوره: مصطفى خليفاوي




