متفرقات

الكسكس الجزائري … موروث غذائي بهوية وطنية

يُعدّ الكسكس أحد أبرز عناصر التراث الغذائي في الجزائر، وأكثرها حضورًا في الحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية. فهو طبق راسخ في العادات والتقاليد، ارتبط بالأسرة واللمّة والمشاركة، وتوارثته الأجيال باعتباره جزءًا من الموروث الثقافي الذي شكّل ملامح الهوية الاجتماعية عبر الزمن. ويتميّز الكسكس الجزائري بتنوّع طرق تحضيره ومكوناته، بحسب الخصوصيات الجغرافية والبيئية لكل منطقة، دون أن يفقد طابعه الجامع. هذا التنوع يعكس ثراء التراث الوطني وقدرته على التكيّف، ويبرز مكانة الكسكس كعنصر موحِّد رغم اختلاف الوصفات والأساليب.

وخارج الإطار المنزلي، تجاوز الكسكس الجزائري حدود الاستهلاك اليومي، ليصبح موضوع اهتمام ثقافي وبحثي، ومحلّ حضور في التظاهرات والمهرجانات، فضلًا عن إدراجه ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية. وهو ما أعاد طرح أسئلة متعلقة بحماية هذا الموروث، وتثمينه، وضمان نقله في شكله ومعناه إلى الأجيال القادمة. يندرج هذا الملف الثقافي في سياق تسليط الضوء على الكسكس الجزائري، من خلال مقاربة شاملة تتناول أبعاده الاجتماعية، والتاريخية، والثقافية، وحضوره في البحث العلمي والمشهد الثقافي المعاصر، باعتباره مكوّنًا أساسيًا من الذاكرة الجماعية الجزائرية..

الكسكس الجزائري… أكثر من طبق، بل ذاكرة وطن

 في كل بيت جزائري، يحضر الكسكس بوصفه عنصرًا ثابتًا في الحياة اليومية والمناسبات الكبرى. لا يُنظر إليه كغذاء فقط، بل كطقس اجتماعي تتداخل فيه الذاكرة بالهوية، والعادة بالرمز. فمنذ قرون، ارتبط الكسكس بلحظات الفرح والحزن، بالعمل في الأرض، وبالعيش الجماعي الذي ميّز المجتمع الجزائري. تحضير الكسكس في الجزائر فعل جماعي بامتياز. لا يتم على عجل، ولا يُختزل في خطوات تقنية، بل يُمارس كطقس له زمنه الخاص.

تُحضّر السميد، يُفتل، يُبخّر، ويُعاد إلى القصعة، في مسار يعكس علاقة الإنسان بالصبر والعمل المشترك. هذا البعد الزمني ليس تفصيلًا عابرًا، بل جزء من المعنى الثقافي للطبق. في الأعراس، يُقدَّم الكسكس إعلانًا عن الفرح الجماعي، وفي الجنائز يتحول إلى رسالة تضامن صامتة، وفي يوم الجمعة يكون موعدًا عائليًا يعيد ترتيب العلاقات داخل الأسرة. هكذا، يتجاوز الكسكس كونه طبقًا ليصبح لغة اجتماعية، يفهمها الجميع دون حاجة إلى شرح. ورغم اختلاف أنماط العيش الحديثة، ما يزال الكسكس يحتفظ بمكانته، كأنه يقاوم النسيان، ويعود بقوة كلما شعر المجتمع بالحاجة إلى استعادة توازنه. إنه أحد تلك العناصر الثقافية التي لا تُفرض بالقوانين، بل تستمر لأنها متجذرة في الوجدان.

المرأة الجزائرية.. حارسة سرّ الكسكس

لا يمكن الحديث عن الكسكس الجزائري دون التوقف عند الدور المحوري للمرأة. فالجدّات والأمهات لم يكنّ مجرّد ناقلات لوصفة، بل حافظات لذاكرة غذائية وثقافية متكاملة. “فتل الكسكس” كان ولا يزال فعلًا اجتماعيًا، تُنقل فيه القيم بقدر ما تُنقل المهارات. في هذا الطقس، تتعلم الفتاة الصغيرة الصبر، والعمل الجماعي، والإنصات، واحترام الموروث.

لا تُكتب الوصفة في دفاتر، بل تُحفظ في الذاكرة، وتُمارس باليد والعين والإحساس. ومع كل جيل، تستمر السلسلة، رغم ما يهددها من تحولات اجتماعية وسرعة الحياة. هذا الدور النسوي لم يكن معزولًا عن السياق العام، بل شكّل جزءًا من منظومة ثقافية متكاملة، حيث كانت المرأة حارسة للمطبخ، وبالتالي حارسة للهوية. فالمطبخ في المجتمع الجزائري لم يكن فضاءً تقنيًا، بل فضاءً ثقافيًا واجتماعيًا. ورغم دخول المنتجات الجاهزة والأساليب السريعة، ما يزال “الكسكس المحضّر في البيت” يحمل قيمة رمزية أعلى، لأنه مرتبط بالذاكرة والعائلة والطقس، لا بالاستهلاك فقط.

الكسكس الجزائري.. تتنوع الوصفات و الهوية واحدة 

 يمتاز الكسكس الجزائري بتنوع واسع في طرق تحضيره ومكوناته، وهو تنوع يعكس ثراء البيئة الجزائرية وتعدّدها. فلكل منطقة خصوصيتها، ولكل بيت لمسته، دون أن يفقد الطبق هويته الجامعة. في الشرق، يُحضّر بالخضر واللحم الأحمر، وفي الوسط يحظى الكسكس بالصلصة البيضاء بمكانة خاصة، بينما في الغرب تظهر وصفات مميزة مثل الكسكس “المعمر” المرفوق باللحم والخضر و توابل تقليدية. في الجنوب، يتكيّف الطبق مع طبيعة المناخ والمنتجات المحلية، كما هو الحال في كسكس “السراير” الذي تشتهر به تيميمون. أما في منطقة القبائل، فيصعب حصر أنواع الكسكس، إذ تختلف طرق تحضيره من منطقة إلى أخرى، بل أحيانًا من قرية إلى قرية. هذا التنوع لا يشكّل تناقضًا، بل دليلًا على حيوية التراث وقدرته على التكيّف. هكذا، يصبح الكسكس نموذجًا حيًا لهوية وطنية تتشكّل من التعدد، وتحتضن الاختلاف دون أن تفقد وحدتها

يوسف زكريا 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى