جوليان غربي (سائق سباقات سيارات محترف): “سأعتزل بعد رد الجميل للراية الوطنية”
في المنعطفات الحادة لسباقات “التحمل” العالمية، حيث يختبر الإنسان والآلة حدود الصمود تحت وطأة حرارة تفوق الستين درجة، لا يكتفي البطل الجزائري جوليان غربي بمطاردة أجزاء الثانية، بل يطارد حلماً وطنياً يسعى من خلاله لنقل الجزائر إلى قلب منصات التتويج في “لي مان”، جوليان، الشريك المؤسس لفريق “Team Virage” والطيار الذي روض وحوش الميكانيك من “المقعد الأحادي” إلى نماذج “LMP”، يفتح قلبه لـ “بولا” في حوار يمزج بين دقة المهندس وشغف الطيار، ليكشف عن كواليس مشروعه الطموح لرفع الراية الوطنية بطاقم جزائري خالص بنسبة 100%.
في ظل نهضة حقيقية يشهدها قطاع الرياضات الميكانيكية بالجزائر بقيادة الاتحادية الوطنية، جوليان الذي يجمع بين الخبرة التقنية العالية والروح الوطنية الجياشة يضع النقاط على الحروف في هذا الحوار الاستثنائي، ليتحدث عن رحلته بين سيارات المقعد الأحادي وسباقات التحمل، وعن رؤيته لمستقبل المواهب الجزائرية الواعدة التي تثبت يوماً بعد يوم قدرتها على صنع الفارق في أرقى المحافل الدولية.
لقد مررت عبر محطات تقنية متنوعة بدءاً من النماذج الأولية “LMP” وصولاً إلى سيارات المقعد الأحادي وفئات “GT”، من وجهة نظرك المهنية أي من هذه الآلات تفرض التضحية البدنية الأقصى على السائق، وأي صنف منها يجسد شخصيتك كمتسابق في الوقت الحالي؟
“الحقيقة أن سيارات المقعد الأحادية وخاصة تلك التي تنتمي للمستويات الرفيعة التي قدتها بين عامي 2008 و2009 مثل فئة “F2″ و”AutoGP” تظل هي الأكثر تطلباً من الناحية الجسدية الصرفة، ذلك لأن السرعات التي تبلغها وقوة الكبح والتسارع تتجاوز بمراحل بقية الفئات بفضل النسبة العالية والمذهلة بين الوزن والقوة، ومع ذلك تظل سيارات “LMP” مجهدة للغاية للسائق نظراً للسرعات الكبيرة عند عبور المنعطفات وقوة الجاذبية التي تضغط على جسد السائق باستمرار، ناهيك عن أن مقصورة القيادة المغلقة تسبب ارتفاعاً مهولاً في درجات الحرارة لا يمكن تصوره، ففي حلبات مثل “سيبانغ” بماليزيا قد تتجاوز الحرارة داخل المقصورة 60 درجة مئوية مما يفرض على السائق استعداداً بدنياً وذهنياً استثنائياً للبقاء صامداً خلال جولتين متتاليتين لمدة ساعتين كاملتين، أما بخصوص ما يمثل شخصيتي اليوم فأجد نفسي أكثر في سباقات التحمل والجولات الطويلة لأنها تتطلب أبعاداً أعمق تشمل الاستراتيجية والتوقع وإدارة الوقود والحفاظ على الإطارات، فكل تفصيل صغير يساهم في النتيجة النهائية وهذا التحدي الذهني المعقد هو ما يستهويني تماماً في هذه المرحلة الاحترافية من مسيرتي كطيار يسعى للكمال فوق الحلبة.”
يبدو أن فريق « Team Virage » ليس مجرد إسطبل سباقات بالنسبة لك بل هو بيتك الثاني، ما هي “الوصفة السرية” التي تديرون بها هذا الكيان والتي تمنحك هذه السكينة لمواجهة تحديات موسم 2026؟
“السر ببساطة هو أن هذا الفريق يمثل عائلتي الحقيقية التي كبرت معها ولأجلها بكل فخر، فقد أسستُ هذا الكيان رفقة شريكي فيليب غوثيرون في نهاية عام 2017 وراقبنا نموه وتطوره موسماً بعد الآخر حتى تحولنا إلى هيكل محترم وفائز في منصات “ACO” العالمية، والوصفة التي نعتمد عليها هي البحث المستمر والمهووس عن التطور والكمال، ولا يقتصر هذا البحث على الأداء الميكانيكي فقط بل يشمل تطوير إجراءات العمل وأساليب إدارة السباق بدقة متناهية، فنحن نسعى دائماً لزرع النهج الصحيح والعقلية الاحترافية في نفوس الطاقم والسائقين، ونعلمهم باستمرار كيفية التركيز على الأساسيات وامتلاك الشجاعة الكافية لمراجعة الذات والاعتراف بنقاط الضعف من أجل تحسينها وتجاوزها، بالإضافة إلى العمل على توقع كل السيناريوهات الممكنة قبل وقوعها لتفادي المفاجآت غير السارة، وهذه هي صيغتنا الخاصة التي تمنحنا الثبات والقوة في مواجهة أكبر التحديات العالمية التي تنتظرنا في المستقبل القريب.”
تشارك زملاءك سامي ميكتونييف وإسحاق حجار الحسرة بخصوص غياب الجزائر عن الهيئات العالمية في السابق، هل تعتقد أن مسيرتك كانت ستأخذ منحىً مختلفاً لو أتيحت لك الفرصة لتمثيل الألوان الوطنية رسمياً منذ بداياتك في 2003؟
“لا شك أن الاتحادية الجزائرية للرياضات الميكانيكية بقيادة أمين لعايبي تقوم حالياً بعمل جبار ومذهل يستحق كل الثناء، سواء داخل أروقة الاتحاد الدولي للسيارات أو على المستوى المحلي داخل الوطن، وذلك من أجل السماح لهذه الرياضة بالنمو والازدهار والوصول إلى مستويات غير مسبوقة، وقد شهدنا مؤخراً إطلاق العديد من المبادرات المحلية الهامة التي تفتح آفاقاً جديدة للشباب، وعلى الساحة الدولية أصبح لدينا اليوم ثلاثة سائقين جزائريين يتنافسون في سباقات التحمل بمستويات عالية جداً في عام 2025 وهم ليو روبنسون وسمير بن وأنا، وهذا خير دليل على التطور الإيجابي الذي نعيشه حالياً، أما بخصوص سؤالك حول عام 2003 فربما كانت الأمور ستختلف لو حملت العلم الوطني حينها ولكن الأمر كان يتطلب أيضاً وجود الأشخاص المناسبين في الأماكن المناسبة لتحريك الأمور، وأعتقد أن أمين لعايبي يمتلك ذلك المزاج القوي والقامة الإدارية والكاريزما القادرة على تحقيق هذا التغيير التاريخي المنشود الذي كنا ننتظره منذ سنوات طويلة.”
لو أتيحت لك فرصة القيام بلفتة رمزية للوطن عند عبورك لخط النهاية في سباق “لي مان” الأسطوري عام 2026، ما هي الصورة التي تود رسمها وتخليدها في ذاكرة الرياضة الجزائرية؟
“حلمي الأكبر الذي أسعى لتحقيقه هو تسجيل سيارة جزائرية بنسبة 100% في هذا المحفل العالمي، بحيث تحمل ترخيصاً رسمياً من الاتحادية الجزائرية وتضم طاقماً من السائقين الجزائريين فقط خلف المقود يمثلون النخبة الوطنية، فأنا أؤمن تماماً أن تشكيل فريق يضم ليو روبنسون وسمير بن وأنا سيكون طاقماً قادراً على المنافسة بقوة للفوز بسباقات “لي مان” الأوروبية، وجعل النشيد الوطني “قسماً” يدوّي في منصات التتويج العالمية أمام آلاف المتفرجين، فهذه اللفتة ستكون بمثابة أقوى رسالة تعكس مدى التطور الذي وصلت إليه الرياضات الميكانيكية في بلادنا، وستكون أيضاً المفتاح السحري الذي يفتح الأبواب الموصدة أمام الأجيال القادمة من السائقين الجزائريين الحالمين بالوصول إلى القمة العالمية ورفع الراية الوطنية عالياً في سماء أكبر الحلبات الدولية.”
ما هي رسالتك للمواهب الجزائرية الشابة التي تحلم بدخول الحلبات الدولية وتصطدم بنقص الإمكانيات أو غياب المرافق المحلية في الوقت الحالي؟
“رسالتي لهم هي رسالة أمل وثقة في المستقبل، فالاتحادية الجزائرية تضع الآن برامج طموحة جداً لتوجيه السائقين الشباب ومساعدتهم على تحقيق طموحاتهم بكل احترافية، ومن بينها برنامج “Racing For Algeria” الذي صُمم خصيصاً لهذا الغرض ليكون جسراً نحو العالمية، لذا يجب منح هذا البرنامج الوقت الكافي لينمو ويطور البنية التحتية ويجذب التمويلات والاستثمارات اللازمة للنجاح، فكل شيء في هذا العالم هو عبارة عن عملية مستمرة تتطلب الصبر والمثابرة، وأنصح كل الطيارين أو المهندسين أو حتى الميكانيكيين الذين يرغبون في شق طريقهم بالاتصال فوراً بالاتحادية لدراسة الخيارات المتاحة أمامهم، فالطريق أصبح ممهداً اليوم أكثر من أي وقت مضى بفضل تظافر جهود الجميع والعمل الجاد والمخلص.”
حدثنا عن تحديك الحالي في سلسلة « Asian Le Mans Series »، ماذا تمثل لك هذه البطولة في هذا المنعطف الهام من مسيرتك الاحترافية؟
“أنا أتسابق حالياً ضمن فريق “Team Virage” على متن السيارة رقم 1 إلى جانب الممثل الهندي تاميل أجيث كومار وسائق الفورمولا 1 السابق ناريان كارثيكيان، حيث تقع على عاتقي مسؤولية كبيرة وجسيمة تتمثل في خوض التجارب التأهيلية والقيام بجولة مزدوجة تمتد لساعتين كاملتين بين جولتي زميليّ، وبالنسبة لي فإن هذه المشاركة هي تأكيد لمكانتي الاحترافية في هذا المستوى العالي من التنافس، فالبطولة الآسيوية قوية جداً وتضم نخبة من أفضل سائقي النماذج الأولية في الوقت الحالي، ورغم أن البداية في حلبة “سيبانغ” لم تكن مثالية تماماً بسبب اصطدام تعرضنا له عند الانطلاق إلا أننا نمتلك كل العزيمة والإرادة لتصحيح المسار وتحقيق نتائج أفضل في دبي وأبو ظبي نهاية هذا الشهر لنبرهن للجميع على قوة الفريق وصلابة طاقمه.”
في المنعطف الأخير من مسيرتك الطويلة، ماذا تعتقد أن سيارتك ستقول لك لو نطق الميكانيك، وبماذا ستجيبها في تلك اللحظة الوداعية المؤثرة؟
“آمل حقاً أن تشكرني لأنني حاولت دائماً بذل قصارى جهدي للعناية بها والحفاظ على سلامتها الميكانيكية، فقد تعاملت مع القيادة طوال مسيرتي بفلسفة ثابتة تقوم على احترام الآلة وحماية الإطارات والمكابح وتجنب إجهاد المحرك دون داعٍ، وتجنب استخدام الممرات الجانبية إلا عند الضرورة القصوى والابتعاد عن الاحتكاك بالسيارات الأخرى احتراماً لجهد المهندسين والميكانيكيين الذين يتعبون خلف الكواليس لتوفير أفضل آلة ممكنة لنا، أما إجابتي لها فستكون بتقديم الشكر الجزيل لأنها حمتني جيداً خلال كل الحوادث التي تعرضت لها في مسيرتي، فلولا التقدم المذهل في معايير السلامة الذي حققه الاتحاد الدولي والهيئات المنظمة لكانت بعض الحوادث التي عشتها أكثر خطورة بكثير، وهذا الأمان هو ثمرة جهد جماعي مذهل يستحق منا كل التقدير والامتنان في نهاية المشوار الرياضي المليء بالتحديات والنجاحات.”
حاروته: حليمة خطوف



