المدربة والحارسة الدولية ياسمينة دحاس لـ “بولا”: “ذاكرة الفشل القصيرة هي سر نجاح أي حارسة”
تعتبر تجربة اللاعبات الدوليات الجزائريات في الخارج نموذجاً يحتذى به، خاصة عندما يتعلق الأمر باقتحام مجالات تقنية صعبة كتدريب حراس المرمى، وضيفتا اليوم هي ياسمينة دحاس، الحارسة التي ذادت عن عرين المنتخب الوطني والعديد من الأندية، قبل أن تنقل خبرتها إلى الدوري السعودي؛ حيث بصمت على نجاحات مبهرة محققة الصعود مرتين، مرة كحارسة ومرة كمدربة. ياسمينة، التي تحمل اليوم الرخصة التدريبية الآسيوية “C”، تفتح لنا قلبها في هذا الحوار لتتحدث عن “فلسفة القفاز”، وكيفية بناء الشخصية الذهنية للحارسة، وتفاصيل مشروعها الطموح في عالم التدريب.
بدايةً ياسمينة، نشكركِ على قبول الدعوة؛ الانتقال من حراسة المرمى إلى التدريب ليس مجرد تغيير في الدور الميداني، فكيف عشتِ هذا التغيير، وما الذي تبدل في نظرتكِ لهذا المنصب الحساس؟
“أولاً، أود أن أشكركِ أخت حليمة لاهتمامكِ المستمر بالكرة النسوية، وفخورة جداً باختياري من بين اللاعبات الدوليات للحديث عن مساري بين الجزائر والسعودية، وبالنسبة لسؤالكِ، فقد كان التحول بمثابة الانتقال من التركيز على “الكرة” إلى التركيز على “الإنسان”. كحارسة، كان همي الوحيد هو التصدي للكرة ومنع الهدف، لكن كمدربة، أصبح الشاغل الأكبر هو كيفية جعل الحارسة تفكر قبلي، ونظرته للمنصب تغيرت كلياً؛ فلم يعد مجرد حماية للشباك، بل أصبح الحارس في نظري هو “المدير الميداني” للدفاع بالكامل، واليوم أرى تفاصيل صغيرة لم أكن ألاحظها حين كنتُ في قلب الحدث، وهذا منحني نضجاً كبيراً في فهم اللعبة وتفكيك شيفراتها.”
باعتباركِ حارسة دولية سابقة مثلتِ الألوان الوطنية، لا شك أنكِ تحملين “إرثاً” من الخبرة، فما هي أدق التفاصيل التي تحرصين على غرسها اليوم في نفوس الحارسات اللواتي تشرفين عليهن؟
“أحاول دائماً أن أنقل لهن أن حراسة المرمى هي مهنة تتطلب الانضباط قبل المهارة، وأركز كثيراً على جزئية التمركز وتوقع مسار الكرة قبل انطلاقها، وهي مهارات اكتسبتها من الضغط العالي في المباريات الدولية، كما أحرص على تعليمهن أن الحارسة هي عين المدرب في الملعب، وعليها أن تمتلك صوتاً مسموعاً وشخصية قيادية توجه المدافعات؛ فالحارسة الناجحة هي التي تمنع الخطر قبل وصوله إليها بفضل حسن التوجيه.”
في رأيكِ ياسمينة، ما هو الخيط الرفيع الذي يفصل بين حارسة “جيدة” وأخرى قادرة على اللعب في “المستويات العالية”؟
“الفرق يكمن في التفاصيل الصغيرة والثبات، فالحارسة الجيدة قد تنقذ كرات مستحيلة، لكن الحارسة العالمية هي التي تحافظ على مستواها طيلة الموسم دون هفوات قاتلة، والقدرة على اللعب في أعلى مستوى تتطلب سرعة بديهة استثنائية، وقدرة على قراءة تكتيك الخصم، والأهم من ذلك هو التميز في اللعب بالقدمين للمساهمة في بناء الهجمات؛ فالحارس الحديث هو لاعب إضافي في المنظومة وليس مجرد سد منيع.”
لقد خضتِ تجربة غنية في السعودية بين أندية الرياض، العلا، الأمل، وحالياً نادي اليرموك، فكيف تقيمين تطور الحراسة النسوية هناك، وما الذي جذبكِ في هذا المشروع الواعد؟
“المشروع السعودي مذهل ويتطور بسرعة الصاروخ، وقد عشتُ تجربة فريدة؛ حيث فزت بالدوري مع نادي الرياض كحارسة وصعدنا للممتاز، ثم تكرر الإنجاز مع نادي العلا كمدربة حراس وصعدنا أيضاً، وما لفت انتباهي هو الشغف الكبير والاحترافية في التنظيم وتوفر الإمكانيات، وحالياً أشتغل مع نادي اليرموك في دوري الدرجة الأولى، وأرى أن هناك قاعدة مواهب صاعدة تمتلك رغبة هائلة في التعلم، وهذا ما يحفزني لنقل خبرتي الأكاديمية لهن بأسلوب حديث.”
دائماً ما يُقال إن المرمى هو مركز “الوحدة والمسؤولية”، فكيف تتعاملين مع الجانب الذهني للحارسات، خاصة في لحظات الخطأ أو تراجع الثقة؟
“أنتِ تلمسين نقطة جوهرية؛ فالجانب الذهني يمثل 70% من أداء الحارس، والمرمى هو المركز الوحيد الذي لا يحتمل الخطأ، لذا أعمل مع الحارسات على بناء ما أسميه “الذاكرة القصيرة للفشل”، أي القدرة على نسيان الخطأ فور وقوعه والتركيز كلياً في الكرة التالية، والثقة لا تأتي من الفراغ، بل من التكرار المستمر في التدريبات حتى يصبح التصدي فعلاً منعكساً، والتركيز يأتي من فهم أدوار الفريق بالكامل وليس فقط حماية الشباك.”
بالحديث عن المستقبل، حصلتِ مؤخراً على الرخصة التدريبية الآسيوية “C”، فما هو الطموح الذي ترسمه ياسمينة دحاس لمرحلتها القادمة بين الاحتراف الخارجي والعودة لخدمة الكرة الجزائرية؟
“حصولي على الرخصة “C” هو مجرد خطوة أولى، فطموحي لا يتوقف عند نقل خبرتي الدولية للملاعب العربية فحسب، بل أسعى لأن أكون جزءاً من تطوير منظومة الحراسة النسوية بشكل أكاديمي وعلمي، وأريد أن أرى حارسات عربيات، سواء من الجزائر أو السعودية، يحترفن في أقوى الدوريات العالمية، وهدفي القادم هو الحصول على أعلى الشهادات التدريبية العالمية والمساهمة في نجاحات تاريخية للفرق التي أشرف عليها، ويبقى حلم خدمة المنتخب الوطني في منصب تقني قائماً دائماً لرد الجميل للكرة الجزائرية.”
كلمة ختامية..
“شكراً لكِ ولجريدة “بولا” على هذه المساحة الراقية، فنحن كلاعبات سابقات نحتاج لهذا الدعم الإعلامي لنقل رسالتنا، وأتمنى أن أكون دائماً عند حسن ظن كل من وضع ثقته في ياسمينة دحاس.”
حاورتها: حليمة. خ



