خيرة زايري (بطلة إفريقيا في كرة السلة على الكراسي): “التاج الإفريقي السادس هو ثمرة الروح الجماعية”
تواصل سيدات الجزائر لكرة السلة على الكراسي المتحركة كتابة التاريخ بمداد من ذهب، وذلك بعد بسط سيطرتهن المطلقة على القارة السمراء للمرة السادسة توالياً، عقب الإطاحة بالمنتخب الجنوب إفريقي في نهائي “لواندا” بأنغولا. ومن بين الأسماء التي صنعت هذا الفارق، وبرزت كركيزة أساسية في تشكيلة “اللبؤات”، نجد البطلة خيرة زايري؛ ابنة ولاية سعيدة ورياضية النخبة التي رفعت التحدي عالياً، لتثبت أن الإعاقة هي حافز للإبداع وليست عائقاً أمام التتويج. في هذا الحوار الحصري، تفتح لنا خيرة قلبها لتتحدث عن كواليس التتويج، سر الروح الجماعية، وتطلعاتها لمونديال كندا 2026.
هذا التتويج الإفريقي السادس ليس مجرد رقم عابر في سجلات كرة السلة الجزائرية؛ كيف تعيشين هذا الإنجاز على المستوى الشخصي، وأين تضعينه ضمن مسارك الرياضي الحافل؟
“في البداية، أود أن أعبر عن فخري واعتزازي بهذا الإنجاز الذي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سنوات من التضحية والعمل الجاد. على المستوى الشخصي، أعتبر هذا التتويج محطة مفصلية في مساري الرياضي؛ فهو يؤكد أن الاستمرارية في القمة أصعب بكثير من الوصول إليها، فالحفاظ على اللقب الإفريقي لست مرات متتالية يحملني مسؤولية كبيرة تجاه الراية الوطنية، وتجاه الجماهير التي تنتظر منا الأفضل دائماً. أضع هذا اللقب في خانة “الأغلى”؛ لأنه جاء ليؤكد مكانة الجزائر كقوة ضاربة في هذه الرياضة، وليعزز طموحي في تقديم المزيد في المحافل الدولية القادمة، وعلى رأسها المونديال.”
وراء كل لقب جماعي وتتويج قاري، تكمن تفاصيل صغيرة تقلب الموازين وتصنع الفارق في الميدان؛ ما هو الشيء الذي تعتقدين أنه رجّح كفة المنتخب الوطني في هذه البطولة بالذات؟
“البطولة الإفريقية هذه المرة لم تكن سهلة أبداً، حيث واجهنا منافسة شرسة ومستويات فنية متطورة من بقية المنتخبات القارية. لكن، إذا أردنا الحديث عن “السر” الذي رجح كفتنا، فهو بلا شك “روح المجموعة”؛ تلك القاعدة الأولى التي يُبنى عليها أي فوز حقيقي. إن التناسق الكبير بين اللاعبات، والقدرة على قراءة اللعب، والتنبيه المستمر من طرف الجميع داخل الميدان، خاصة من الناحية الدفاعية، كان هو المفتاح؛ فالدفاع يتطلب تركيزاً عالياً وتناغماً تاماً، وهو ما نجحنا في تحقيقه بفضل التلاحم بيننا، ليس فقط فوق المستطيل الأخضر، بل حتى خارجه، حيث كانت روحنا الجماعية رائعة جداً، وهو ما ساعدنا بشكل مباشر على تحقيق الفوز.”
بصفتكِ رياضية نخبة، يفرض عليكِ الأداء العالي انضباطاً يومياً صارماً؛ كيف توفّقين بين متطلبات التدريبات الشاقة وبين حياتك الشخصية خارج أسوار الملاعب؟
“التوفيق في المقام الأول هو من الله سبحانه وتعالى، ثم يأتي دور الشغف والحب لما تفعلينه؛ فأنا أحب هذه اللعبة من كل قلبي، وهذا العشق الكبير هو ما جعلني لا أقف أمام الصعاب اليومية التي قد تواجه أي رياضي. الانضباط يتطلب تنظيماً دقيقاً للوقت وتضحيات شخصية كثيرة، ولكن عندما يكون الهدف هو رفع راية الجزائر، تصبح كل تلك المتاعب والصعوبات اليومية مجرد محطات لتقوية العزيمة. حب اللعبة هو المحرك الأساسي الذي يدفعني لتجاوز الإرهاق والضغوطات، ويجعلني أجد التوازن المطلوب بين واجبي الوطني وحياتي الخاصة.”
إلى أي مدى لعبت “روح المجموعة” دوراً حاسماً في اللحظات الحرجة من المنافسة، وكيف كانت تترجم هذه الروح في كواليس المنتخب؟
“كما ذكرتُ سابقاً، روح المجموعة هي الأساس، وفي اللحظات الحاسمة التي يشتد فيها الضغط، تظهر قيمة هذا الترابط. داخل الميدان، كنا نشعر ببعضنا البعض، وكان هناك تواصل دائم وتنبيه من كل لاعبة لزميلتها؛ مما خلق جداراً دفاعياً وهجومياً منسجماً. أما في الكواليس، فقد كنا نعيش كعائلة واحدة؛ نتشارك الطموحات والمخاوف، ونشجع بعضنا البعض في لحظات التعب. هذه الروح الإيجابية هي التي ساعدتنا على الفوز، وهي التي جعلت منا فريقاً لا يقهر في القارة السمراء؛ فالفوز يبدأ من غرف الملابس والقلوب قبل أن يتحقق في الميدان.”
بعد هذه السيطرة المطلقة على القارة لسنوات، هل تشعرين أن نظرة المجتمع الجزائري لهذه الفئة من الرياضات بدأت تتغير وتتحرر من النظرة التقليدية؟
“بكل تأكيد، هذا النوع من الرياضات والنجاحات المتتالية هو أكبر دليل على تغير نظرة المجتمع، وعلى قدرة الفرد على تجاوز العراقيل الاجتماعية مهما كانت طبيعتها. نحن، كرياضيين من ذوي الهمم، أثبتنا للعالم أننا نمتلك تفكيراً إيجابياً وتطلعاً نحو الأفضل، تماماً مثل الأشخاص الأصحاء، بل وربما بعزيمة أقوى في بعض الأحيان. إن النتائج التي نحققها اليوم تجبر الجميع على احترام هذه الرياضة وتقدير مجهوداتنا؛ مما يساهم في دمج هذه الفئة بشكل أكبر وتغيير المفاهيم السائدة حول الإعاقة، التي أصبحت بالنسبة لنا انطلاقة وليست عائقاً.”
ما الذي يعنيه لكِ شخصياً تمثيل الجزائر في منافسة قارية بهذا الحجم، خصوصاً وأنكِ من الركائز الأساسية في تشكيلة المنتخب؟
“أشعر بفخر واعتزاز لا يوصفان بحملي للألوان الوطنية وتمثيل بلدي الجزائر في المحافل الدولية، فكوني من اللاعبات الأساسيات في المنتخب، يضاعف من شعوري بالمسؤولية، ويجعلني أبذل كل مجهود بدني وذهني من أجل نيل اللقب. لا يوجد شعور يضاهي الوقوف فوق منصة التتويج وسماع النشيد الوطني يرفرف في سماء أنغولا، حيث يتلاشى كل التعب في تلك اللحظة؛ والحمد لله أننا وفقنا في المهمة ولم نخيب ظن الشعب الجزائري، الذي كان ينتظر منا هذا التتويج التاريخي.”
ختاماً؛ كيف يمكن استثمار هذا اللقب السادس ليكون نقطة انطلاق نحو أهداف أكبر، وما هو طموح خيرة زايري الشخصي للجيل القادم؟
“إن شاء الله، سيكون هذا اللقب حافزاً لنا لتقديم أداء مشرف في مونديال كندا 2026، حيث سنمثل إفريقيا والجزائر أحسن تمثيل. أما عن طموحي الشخصي، فأنا أخطط مستقبلاً للتوجه نحو التدريب الرياضي في نفس الاختصاص؛ لكي أقدم ولو الشيء البسيط لخدمة هذه الرياضة التي أعطتني الكثير. أريد تدعيم العناصر الجديدة وتزويدهم بالخبرة التي اكتسبتها طيلة مشواري الرياضي الطويل؛ لأكون همزة وصل بين جيلنا والجيل القادم، ولضمان استمرارية الهيمنة الجزائرية على هذه الرياضة لسنوات طويلة قادمة. وشكراً لكم على هذه الاستضافة، وبالتوفيق للجميع.”
حاورتها: حليمة. خ




